مغرب الصعود… حين تصبح النخبة جزءاً من العطب لا من الحل

المحور الصحفي // اليزيد الفحل

لا يمكن إنكار أن مغرب اليوم يتحرك في اتجاه الصعود، بخطى قد تبدو بطيئة أحياناً، لكنها ثابتة في العمق. أوراش كبرى تُفتح، واستثمارات استراتيجية تُطلق، ورؤية دولة تتشكل في الأفق عنوانها السيادة، والعدالة المجالية، وبناء مغرب قوي بمؤسساته وإنسانه. غير أن هذا المسار الطموح يصطدم، في محطات حاسمة، بعطب مزمن يتمثل في جزء من النخب التي تحولت، بوعي أو بدونه، إلى عامل إعاقة بدل أن تكون رافعة للتقدم.

الإشكال لا يكمن في نقص البرامج أو غياب الرؤية، بل في ضعف الوساطة النخبوية بين القرار والمجتمع. ففي التعليم، ما زالت الإصلاحات تُفرغ من مضمونها عند التنفيذ، وتُختزل في تجريب متواصل يدفع ثمنه المتعلم والأسرة المغربية. وفي الصحة، ورغم الجهود المبذولة لتوسيع التغطية وتحسين البنيات، تظل الحكامة الهشة وسوء التدبير عائقاً يحول دون شعور المواطن بثمرة الإصلاح. أما الاقتصاد، فيتقدم على مستوى المؤشرات الكبرى، لكنه يتعثر حين يصل إلى المقاولة الصغرى، والشباب، والطبقة المتوسطة، حيث تتداخل الريع مع المصالح الضيقة وتُغلق أبواب تكافؤ الفرص.

الأخطر أن بعض النخب، بدل أن تنخرط في تصحيح الأعطاب، اختارت منطق التبرير أو الهروب إلى الأمام، أو الاحتماء بخطابات تقنية معزولة عن نبض المجتمع. نخب تتقن لغة التقارير والعروض، لكنها تفشل في ترجمة السياسات إلى أثر ملموس في حياة الناس. وهنا يتحول الخلل من إشكال تدبير إلى أزمة ثقة، تضعف الإيمان الجماعي بالإصلاح، وتغذي الإحباط واللامبالاة.

لحظة التصحيح التي يعيشها المغرب اليوم ليست حملة تصفية حسابات، ولا استهدافاً للأشخاص، بل ضرورة تاريخية لإعادة الاعتبار للفعل العمومي النزيه والفعال. إنها دعوة صريحة لفرز نخب مخلصة، تعتبر المسؤولية تكليفاً لا تشريفاً، وتربط الموقع بالمحاسبة، والكفاءة بالنتائج، والقرار بخدمة الصالح العام لا المصالح الخاصة.

مغرب الصعود لا يمكن أن يُبنى فقط بالإسمنت والمشاريع، بل بالإنسان قبل كل شيء: إنسان مُتعلم تعليماً جيداً، مُعالج في منظومة صحية عادلة، ومندمج في اقتصاد يفتح الأفق لا يسدّه. وهذا يتطلب نخبة جديدة أو مُجددة، تحمل همّ الوطن لا هواجس الموقع، وتؤمن بأن الزمن تغيّر، وأن من لا يواكب منطق الإصلاح الصادق سيجد نفسه خارج حركة التاريخ.

إذا كان المغرب يسعى اليوم إلى صعود حقيقي، فإن معادلة النجاح لا تقوم إلا على تناغم بين المؤسسات والفاعلين النزهاء، أي نخبة تعرف كيف تضع المصلحة العامة فوق أي اعتبار آخر. النخبة ليست مجرد حامل للشهادات أو الموظف العالي الرتبة، بل هي تلك الفئة القادرة على ربط الرؤية بالواقع، والفكر بالعمل، والخطط بالنتائج الملموسة في حياة المواطن اليومي.

التحديات الكبرى التي يواجهها المغرب – من التعليم والصحة إلى الاقتصاد والمجتمع – لن تُحل بالمراسيم وحدها، ولا بالأهداف الموضوعة على الورق. بل تحتاج إلى إرادة وطنية صادقة، ونخبة تفكر خارج دائرة المصلحة الذاتية، قادرة على تجاوز الانقسام بين ما يجب عمله وما يُرضي اللوبيات أو المحسوبية. الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تكون النخب قادرة على مواجهة الانتقادات، وتحمل المسؤولية في أصعب المراحل، والاعتراف بالأخطاء قبل أن تتفاقم، وتقديم الحلول العملية بدل التبريرات العقيمة.

ولعل من أبرز الدروس المستفادة من مسار المغرب التاريخي أن الإصلاحات التي أثبتت نجاحها كانت مرتبطة دائماً بوجود نخبة واعية وصادقة، لا تستثمر السلطة لمصالح شخصية، بل تتحرك وفق رؤية شاملة تربط الإنسان بالمكان والسياسة بالاقتصاد والثقافة بالعدالة الاجتماعية. أما من يختار التعنت أو التماهي مع الوضع الراهن دون مواجهة العقبات، فهو يساهم في إبطاء مسار الصعود، ويزيد من ثقل الاختلالات على كاهل الدولة والمواطن معاً.

اليوم، يقف المغرب أمام فرصة حقيقية لتسريع مساره نحو المستقبل. إما أن تُستثمر لحظة التصحيح لبناء مغرب موحد بالإنسان والعمران، أو تُهدر مرة أخرى بسبب نخب ترفض مغادرة مناطق الراحة. والفرق بين الخيارين ليس تقنياً ولا ظرفياً، بل أخلاقي ووطني بامتياز.

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment