الشباب والانتخابات: أزمة الثقة أم فشل الخطاب السياسي؟

المحور الصحفي // اليزيد الفحل
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يطفو على السطح تحدٍ متكرر: عزوف الشباب عن المشاركة السياسية. ظاهرة ليست محلية فحسب، بل عالمية، لكنها في المغرب تحمل بعدًا خاصًا. الشباب المغربي يواجه اليوم خيبة أمل متكررة من وعود لم تُنفذ، ومن برامج انتخابية فضفاضة لا تلامس واقعه اليومي. الغياب عن صناديق الاقتراع لم يعد مجرد تبرم عابر، بل رسالة صامتة عن فقدان الثقة في الفعل السياسي التقليدي.
العزوف ليس نتيجة عدم اهتمام بالشأن العام، بل رد فعل على خطاب سياسي تقليدي، يفتقر إلى الصدق والوضوح، ويعجز عن التواصل مع احتياجات الشباب: البطالة، السكن، التعليم، جودة الخدمات، وغياب فرص المشاركة الحقيقية في صناعة القرار. شباب اليوم يرفض أن يكون مجرد جمهور يصفق للوعود، بل يريد القدرة على التأثير، والمساءلة، والشفافية.
في المقابل، الأحزاب السياسية والمؤسسات مطالَبة بإعادة النظر في أساليب التواصل، وتطوير برامج قابلة للتطبيق، صريحة، ومبنية على واقع المواطن اليوم. فالمراهقة الديمقراطية للمغرب لا تتحقق بمجرد الانتخابات الشكلية، بل عبر خطاب جريء يربط المسؤولية بالنتائج، ويعيد بناء الثقة بين الشباب والدولة.
العزوف قد يكون أيضًا فرصة: فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والسياسة، وإشراك الشباب في قيادة الحوار الوطني، ومراقبة الأداء السياسي، وصياغة أولويات التنمية. فالشباب الواعي يمكن أن يحول ساحة الانتخابات من طقس شكلي إلى معركة حقيقية لإصلاح مؤسسات الدولة وبناء مستقبل واثق.
ما يحدث اليوم يعكس تراكمًا طويل الأمد من الإحباط السياسي لدى الشباب. فغالبًا ما يشعر الشباب أن أصواتهم لا تُحدث فرقًا، وأن المشاركة تظل محصورة ضمن دائرة ضيقة من المصالح الحزبية والشخصية. هذا الفراغ يفتح المجال أمام خطابات شعبوية أو انتهازية، ويزيد من شعور الانفصال بين المواطن والدولة، مما يضاعف أزمة الثقة ويعمق عزوف الجيل القادم عن السياسة.
إصلاح الخطاب السياسي لم يعد خيارًا، بل ضرورة حيوية للبقاء على صلة بالشباب. يحتاج السياسيون إلى تبني لغة واضحة، صادقة، ترتكز على النتائج والالتزام الفعلي، لا على الشعارات الفضفاضة. كما أن دمج الشباب في مراكز القرار، والاستماع لهم بشكل مباشر، يُحوّل المشاركة من مجرد واجب شكلي إلى تجربة تمكين حقيقية.
عزوف الشباب أيضًا رسالة تحذيرية: الانتخابات القادمة ليست مجرد محطة لتسجيل الأرقام، بل اختبار لمصداقية الأحزاب وقدرتها على استيعاب مطالب الجيل الجديد. كل محاولة لتجاهل هذا الواقع ستعني فقدان مزيد من الثقة، وتحويل المشاركة السياسية إلى طقس شكلي يخدم المصالح التقليدية فقط، بعيدًا عن التغيير الحقيقي.
في المحصلة، الشباب المغربي قادر على إعادة رسم خريطة المشاركة السياسية، لكن ذلك يعتمد على خطاب جديد، وإصلاحات مؤسساتية، وتفاعل صادق مع الواقع اليومي. العزوف ليس نهاية الطريق، بل دعوة للإصلاح، ومحفزًا لإعادة التفكير في العلاقة بين المواطن والسياسة، لجعل الديمقراطية أداة فعلية للتغيير لا مجرد شعار على الورق.
مقالات ذات صلة
حين يصبح “البوز” بديلاً عن المهنية… من يحمي هيبة الصحافة في الندوات الرسمية؟
حين يصبح الجسد سلعة رقمية… هل انتصر الإنترنت على الضمير أم عجز المجتمع عن مواكبة العصر؟
مستشفى شريفة.. عندما يتحول الحق في العلاج إلى معاناة يومية لساكنة سيدي يوسف بن علي
متى تتخلص بلادنا من مخدر “السيليسيون” القاتل الذي يفتك بالشباب؟
مراكش بين بريق السياحة وشبح التشرد.. إلى متى يستمر الصمت؟


Comments ( 0 )