إنفاق قياسي لشركات التكنولوجيا على الذكاء الاصطناعي وسط رهانات كبرى ومخاوف من فقاعة محتملة

المحور الصحفي // هيئة التحرير

تواصل شركات التكنولوجيا الكبرى تكثيف رهاناتها على الذكاء الاصطناعي، إذ يُتوقع أن تتجاوز نفقاتها الرأسمالية خلال عام 2026 حاجز 700 مليار دولار، بزيادة تناهز 75 في المائة مقارنة بعام 2025، في خطوة تعكس تحولا استراتيجيا عميقا نحو بناء بنية تحتية حوسبية غير مسبوقة.

وقد استرعت تقديرات الإنفاق الرأسمالي اهتمام “وول ستريت”، باعتبارها مؤشرا مباشرا على حجم الاستثمارات الموجهة إلى مراكز البيانات والرقائق والبنى التحتية الداعمة للذكاء الاصطناعي، علما أن هذا المبلغ يفوق الناتج المحلي الإجمالي لدول أوروبية كبرى. كما يُنتظر أن تبلغ مبيعات أشباه الموصلات عالميا مستوى تريليون دولار لأول مرة، وفقا لـرابطة صناعة أشباه الموصلات الأمريكية، ما يعكس الطلب المتسارع على قدرات الحوسبة.

وتشير تقديرات مؤسسات مالية واستشارية مثل جي بي مورغان تشايس وماكينزي إلى أن الإنفاق التراكمي على الذكاء الاصطناعي قد يتجاوز 5 تريليونات دولار بحلول 2030، مدفوعا بما تصفه هذه الجهات بطلب غير مسبوق على المعالجة الحاسوبية.

تتصدر أمازون قائمة المنفقين بخطة استثمارية تناهز 200 مليار دولار، تليها ألفابت بنحو 185 مليار دولار، ثم مايكروسوفت وميتا بمخصصات ضخمة أيضا. كما رفعت أوراكل إنفاقها المتوقع، في حين تعتزم تيسلا مضاعفة استثماراتها لتطوير سيارات الأجرة الذاتية “Robotaxi” وروبوت “Optimus”.

وفي السياق ذاته، تخطط شركة إكس إيه آي لاستثمارات كبيرة بالتوازي مع توسعة حاسوبها الفائق “Colossus”، بينما عززت صفقة مبادلة الأسهم بينها وبين سبيس إكس مكانة الكيان الجديد كأحد أكبر الشركات الخاصة من حيث التقييم. ويؤكد إيلون ماسك أن الهدف يتمثل في بناء منظومة متكاملة تجمع بين الذكاء الاصطناعي والصواريخ والاتصال عبر الأقمار الصناعية.

في المقابل، تبدو آبل أقل اندفاعا من حيث الإنفاق المباشر، إذ تفضل الاعتماد على شراكات استراتيجية، من بينها تعاون متعدد السنوات مع غوغل لدمج نماذج “Gemini” في منصة “Apple Intelligence”، مع التركيز على تطوير المساعد الصوتي “سيري” وتعزيز قدرات الذكاء الاصطناعي على الأجهزة.

أما إنفيديا، المزود الرئيسي لرقائق الذكاء الاصطناعي، فتُعد المستفيد الأكبر من هذا السباق، حيث يتوقع أن تحصد حصة كبيرة من الاستثمارات الموجهة إلى مراكز البيانات، في وقت وصف رئيسها التنفيذي جنسن هوانغ المرحلة الراهنة بأنها “أكبر عملية بناء للبنية التحتية في تاريخ البشرية”.

ورغم إدراك المستثمرين لأهمية حيازة موقع متقدم في سباق الذكاء الاصطناعي، فإن حجم الاستدانة المرافقة لهذه الاستثمارات يثير تساؤلات متزايدة. إذ تتوقع مورغان ستانلي أن تلجأ شركات الحوسبة السحابية إلى اقتراض مئات المليارات خلال 2026، ما قد يدفع إصدارات السندات إلى مستويات قياسية.

وفي هذا السياق، حذر محللون من أن العوائد المتوقعة لا تزال دون مستوى الإنفاق الحالي، خاصة مع مخاطر تقادم المعدات بسرعة وارتفاع تكاليف الطاقة. كما أشار المدير التنفيذي لـغوغل سوندار بيتشاي إلى وجود “عناصر من اللاعقلانية” في وتيرة الإنفاق، بينما يرى بعض المستثمرين، من بينهم مايكل بَري، أن السوق قد يكون بصدد تضخم مفرط يحمل سمات فقاعة محتملة.

في المقابل، تواجه أوروبا صعوبة في مجاراة هذا السباق، رغم إطلاق مبادرات مثل “AI Factories” و“AI Continent Action Plan”. فحجم الاستثمارات الأوروبية في البنية السحابية السيادية يظل محدودا مقارنة بالإنفاق الأمريكي.

وتبرز شركة ميسترال أي آي كإحدى المحاولات الأوروبية البارزة، بعدما جمعت تمويلا كبيرا وقادت مشاريع لإنشاء مراكز بيانات في السويد بشراكة مع “EcoDataCenter”، مستفيدة من الطاقة الخضراء لتعزيز مفهوم السيادة الرقمية. غير أن خبراء يؤكدون أن التنظيم الصارم وحده لن يضمن تفوقا حوسبيا ما لم يُواكب باستثمارات ضخمة.

وهكذا، ومع تسارع عام 2026، تبدو الولايات المتحدة عازمة على ترسيخ هيمنتها عبر ضخ استثمارات هائلة ممولة جزئيا بالديون، في حين تراهن أوروبا على مقاربة أكثر حذرا تجمع بين التنظيم والسيادة الرقمية. وبين هذين النموذجين، يبقى السؤال مفتوحا حول من سيجني ثمار هذا السباق عالي المخاطر، ومن سيدفع كلفته إذا تباطأت العوائد.

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment