ارتفاع أسعار الملابس في تركيا بين ضغوط الكلفة وإعادة هيكلة القطاع

المحور الصحفي // هيئة التحرير

مع مطلع عام 2026، لم تعد تركيا تلك الوجهة التي يقصدها المتسوقون بحثاً عن الملابس منخفضة الأسعار، إذ باتت الأسواق والمراكز التجارية تسجل زيادات متتالية في أثمان الألبسة، في تحول يعكس تراكماً معقداً لعوامل إنتاجية ومالية واجتماعية تزامنت مع إعادة هيكلة عميقة لقطاع النسيج والملابس.

ويُعد هذا القطاع أحد أعمدة الاقتصاد التركي، حيث يوفر وظائف رسمية لنحو 1.1 مليون شخص، فيما تشير تقديرات نقابية إلى أن العدد الفعلي أعلى بسبب انتشار العمل غير المصرح به، خاصة في صفوف اللاجئين والنساء. غير أن هذا الثقل الاقتصادي لم يمنع وقوع صدمة سعرية واضحة خلال العامين الأخيرين.

ففي 2024 كان سعر بنطال الجينز يتراوح بين 450 و600 ليرة تركية، أي ما يعادل 14 إلى 18 يورو تقريباً، بينما قفز في 2026 إلى ما بين 1,200 و1,600 ليرة، أي نحو 23 إلى 31 يورو، مسجلاً زيادة فعلية تفوق 60% بالعملة الصعبة. كما ارتفعت أسعار القمصان اليومية من متوسط 300 ليرة إلى ما بين 700 و950 ليرة، في حين تضاعفت تقريباً أسعار الجاكيتات الشتوية لتصل إلى نطاق 73 إلى 106 يورو بعد أن كانت في حدود 45 يورو قبل عامين. وحتى القطع البسيطة مثل القمصان القطنية لم تسلم من الزيادة، إذ انتقلت من نحو 4.5 يورو إلى حوالي 9 يورو.

ولا يرتبط هذا الارتفاع بعامل واحد، بل يبدأ من المصنع حيث تضاعفت تكاليف الطاقة خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب ارتفاع أسعار المواد الخام المستوردة المتأثرة بتقلبات سعر الصرف. ومع وصول أسعار الفائدة إلى قرابة 37% في أوائل 2026، أصبح تمويل الشركات أكثر كلفة، سواء لشراء الخامات أو تحديث المعدات. كما زادت أعباء الإيجارات في المولات والأسواق، في وقت يُتوقع أن يستقر فيه التضخم بين 20% و25%، ما دفع تجار التجزئة إلى رفع الأسعار لتعويض التكاليف المتزايدة.

في المقابل، أثرت زيادات الحد الأدنى للأجور وعودة مئات الآلاف من العمال السوريين إلى بلادهم في بنية القطاع. وتشير تقديرات رسمية إلى عودة نحو 700 ألف سوري خلال العام الماضي، بينهم حوالي 300 ألف كانوا يعملون في صناعة الملابس. وقد أدى ذلك إلى نقص اليد العاملة الماهرة وارتفاع الأجور المعروضة بنسبة تراوحت بين 20% و30%، ما انعكس مباشرة على كلفة الإنتاج، خاصة في مدن صناعية مثل غازي عنتاب حيث أغلقت ورش عديدة أبوابها.

وتكشف الأرقام عن تباطؤ ملحوظ في أداء القطاع، إذ تراجعت صادرات المنسوجات والملابس من 22.7 مليار دولار في 2024 إلى 21.8 مليار دولار في 2025، كما انخفضت نسبة تشغيل المصانع من 72.2% إلى 68.5% خلال الفترة ذاتها. ورغم بقاء الاتحاد الأوروبي الشريك الأول بنسبة 41% من الصادرات، برزت أسواق أفريقية بنمو ملحوظ، خصوصاً مصر التي ارتفعت الصادرات إليها بأكثر من 27%.

وفي ظل هذه الضغوط، اتجهت شركات تركية كبرى إلى نقل جزء من إنتاجها إلى الخارج، مستفيدة من انخفاض تكاليف العمالة والطاقة في دول أخرى. فقد نقلت شركة Colin’s التابعة لمجموعة Eroğlu Holding جزءاً من خطوط إنتاجها إلى مصر باستثمارات تفوق 120 مليون دولار، كما وسعت شركات أخرى مثل Pony و**Kipaş** أنشطتها خارج تركيا. في المقابل، تقدمت شركات عريقة بطلبات حماية من الإفلاس مثل Uğur Balkuv Triko التي كانت تنتج لعلامات عالمية.

ولمواجهة هذا التحول، أطلقت الحكومة التركية في موازنة 2026 حزمة دعم بنحو 4.2 مليار دولار موجهة للشركات التي تنخرط في التحول الرقمي أو تمتلك علامات تجارية عالمية. كما يراهن اتحاد مصدري الملابس على مشروع “التحول التوأم” لإعادة هيكلة القطاع، عبر إدخال الروبوتات في خطوط الإنتاج وتقليص الاعتماد على اليد العاملة، إضافة إلى التكيف مع متطلبات “الميثاق الأخضر الأوروبي” الذي يفرض معايير بيئية صارمة على المصانع المصدرة.

وبينما قد تقود هذه العملية إلى إغلاقات وتسريح عمال على المدى القصير، يرى فاعلون في القطاع أنها خطوة ضرورية لتفادي انهيار أوسع. فالملابس التركية في 2026 قد تكون أعلى سعراً مقارنة بالماضي، لكنها تُقدَّم اليوم ضمن استراتيجية جديدة تراهن على الجودة والتقنيات الحديثة بدل المنافسة السعرية التي باتت تميل لصالح دول آسيا.

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment