عندما يتحول القلم إلى أداة تشهير… وخطر العبث بصورة الصحفيين بجهة مراكش آسفي

المحور الصحفي // اليزيد الفحل
مرة أخرى، يُفتح نقاش ثقيل حول حدود المسؤولية المهنية في النشر الإعلامي، بعد تداول مقال على أحد المواقع الإخبارية يتضمن عبارات واتهامات مثيرة للجدل، ربطت بشكل غير مباشر بين بعض المراسلين الإعلاميين وبين توصيفات تمس الكرامة المهنية، في سياق حديث عن “الاستفادة من كبش العيد” داخل ولاية جهة مراكش آسفي.
المسألة هنا لا تتعلق فقط بمادة صحفية عابرة، بل بخلل عميق في فهم وظيفة الإعلام وحدود الكتابة. فحين يتحول الخبر من نقل للوقائع إلى إنتاج للاتهام، ومن التحليل إلى التعميم، فإننا نكون أمام منزلق خطير يضرب في الصميم صورة الجسم الصحفي برمته، ويقوّض الثقة بين المواطن والإعلام.
في جهة مراكش آسفي، حيث يشتغل عشرات المراسلين والصحفيين الميدانيين في ظروف مهنية صعبة، جاء هذا النوع من التناول ليخلق حالة من الاحتقان داخل الوسط الإعلامي. إذ اعتبرت فعاليات مهنية أن ما نُشر لا يندرج ضمن حرية التعبير، بقدر ما يقترب من التشهير المقنّع وتلطيخ السمعة الجماعية، وهو ما دفع النقابة الوطنية للصحافة المغربية بالجهة إلى التلويح باللجوء إلى المساطر القانونية، دفاعاً عن حرمة المهنة وصورة الصحفي.
إن أخطر ما في هذه الواقعة ليس مضمون الادعاءات وحده، بل قابلية الترويج لخطاب يختزل الصحفي في صورة نمطية مشوهة، وكأن الجسم الإعلامي كتلة واحدة قابلة للوصم. وهذا في حد ذاته مساس بمبدأ أساسي: الفرد يُحاسب، لكن المهنة لا تُدان بالجملة.
كما أن خلط الوقائع الإدارية أو الاجتماعية بسرديات اتهامية غير موثقة يضعف مصداقية الصحافة نفسها، ويفتح الباب أمام موجات من التشكيك والاصطفاف غير المهني، في وقت تحتاج فيه الجهة إلى إعلام مسؤول يواكب التحولات التنموية والاقتصادية، لا إلى إنتاج المزيد من التوتر داخل الحقل الإعلامي.
ومن زاوية أوسع، تكشف هذه الحادثة عن إشكال أعمق يتعلق بحدود التحقق قبل النشر، وبفوضى بعض المنصات التي تتعامل مع الخبر كأداة إثارة لا كمسؤولية مجتمعية. فالمهنية لا تُقاس بحدة العنوان، بل بدقة المعطى، وصرامة التوثيق، واحترام كرامة الأشخاص والمؤسسات.
وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحّة اليوم لإعادة ترتيب العلاقة بين حرية النشر وحدود المسؤولية القانونية والأخلاقية، لأن الفاصل بينهما أصبح في بعض الحالات ضبابياً إلى درجة مقلقة. فحرية التعبير، رغم كونها مكسباً ديمقراطياً أساسياً، لا يمكن أن تُستعمل كغطاء لتوجيه اتهامات عامة أو تعميمات تمس فئات مهنية كاملة دون أدلة أو تحقق دقيق.
إن ما يثير الانتباه في هذه الواقعة ليس فقط مضمون ما نُشر، بل أيضاً طريقة تداوله وتأثيره المحتمل على الرأي العام المحلي، حيث يمكن لخبر غير مضبوط أن يتحول بسرعة إلى حكم اجتماعي جاهز، يضع عشرات العاملين في سلة واحدة، ويخلق حالة من الشك تجاه مهنتهم ودورهم. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: صناعة صورة مشوهة تُبنى على الانطباع بدل المعطى، وعلى التأويل بدل الوقائع.
من جهة أخرى، فإن موقف النقابة الوطنية للصحافة المغربية بجهة مراكش آسفي، ولوحتها باللجوء إلى القضاء، يعكس تحوّلاً في التعاطي مع مثل هذه القضايا، من منطق الصمت أو الاكتفاء بالاحتجاجات إلى منطق تفعيل المساطر القانونية لحماية الجسم الإعلامي من أي مساس اعتباطي. وهو تطور يعكس وعيًا متزايدًا بأن صون المهنة لا يقل أهمية عن ممارستها.
لكن في المقابل، يظل الرهان الأكبر داخلياً أيضاً، أي داخل الوسط الصحفي نفسه، عبر تعزيز ثقافة التدقيق، ورفض إعادة نشر أو تداول مضامين غير مؤكدة، والتصدي لأي انزلاق نحو الإثارة على حساب الحقيقة. فالمعركة ليست فقط مع ما يُكتب عن الصحفيين، بل أيضاً مع ما يُنتَج باسم الصحافة نفسها.
إن الرأي العام اليوم أكثر حساسية، وأكثر سرعة في التفاعل، ما يجعل أي خطأ مهني يتحول إلى كرة ثلج إعلامية يصعب إيقافها. لذلك فإن المسؤولية أصبحت مضاعفة: مسؤولية من يكتب، ومسؤولية من ينشر، ومسؤولية من يترك المعلومة تمر دون تحقق.
وفي ظل هذا السياق، تبرز أهمية إعادة الاعتبار لأخلاقيات المهنة كمرجعية ملزمة، لا كشعار نظري. فالإعلام الذي لا يحمي مصداقيته من الداخل، يترك نفسه عرضة للتآكل من الخارج. والمهني الحقيقي هو من يدرك أن قوة الكلمة ليست في حدتها، بل في صدقها، وأن خطورة القلم ليست في قدرته على الإدانة، بل في قدرته على الإنصاف.
وهكذا، فإن هذه الواقعة، بما حملته من جدل، تفتح من جديد سؤالاً أعمق: هل نحن أمام أزمة أفراد في الممارسة، أم أزمة معايير في بعض المنابر؟ والجواب، في كلتا الحالتين، يفرض العودة إلى الأصل: صحافة تُراكم الثقة، لا الشك، وتبني الوعي، لا الأحكام المسبقة.
مقالات ذات صلة
حين يصبح “البوز” بديلاً عن المهنية… من يحمي هيبة الصحافة في الندوات الرسمية؟
حين يصبح الجسد سلعة رقمية… هل انتصر الإنترنت على الضمير أم عجز المجتمع عن مواكبة العصر؟
مستشفى شريفة.. عندما يتحول الحق في العلاج إلى معاناة يومية لساكنة سيدي يوسف بن علي
متى تتخلص بلادنا من مخدر “السيليسيون” القاتل الذي يفتك بالشباب؟
مراكش بين بريق السياحة وشبح التشرد.. إلى متى يستمر الصمت؟


Comments ( 0 )