سوريا ولبنان بين الحسابات الإقليمية والهواجس الإسرائيلية

المحور الصحفي // اليزيد الفحل
تكشف التقارير المتداولة حول مقترح أمريكي يقضي بإسناد دور لسوريا في معالجة ملف حزب الله، عن حجم التحولات التي تعرفها المنطقة في مرحلة ما بعد سنوات طويلة من الصراعات المفتوحة وإعادة رسم موازين القوى. فالموضوع لا يتعلق فقط بمستقبل العلاقة بين دمشق وبيروت، بل يمتد إلى شبكة معقدة من المصالح والتوازنات الإقليمية والدولية التي تجعل من لبنان ساحة دائمة للتجاذبات.
ورغم النفي السوري الواضح لأي نية للتدخل العسكري في لبنان، فإن مجرد تداول الفكرة داخل الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية يعكس وجود قلق متزايد من عودة دمشق إلى لعب أدوار مؤثرة في المشهد اللبناني، سواء عبر التعاون الأمني أو من خلال تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين.
ومن الواضح أن إسرائيل تنظر إلى أي حضور سوري متجدد في لبنان من زاوية أمنية بحتة، مستحضرة مرحلة تاريخية كانت خلالها دمشق فاعلا أساسيا في إدارة العديد من الملفات اللبنانية. غير أن الواقع الحالي يختلف جذريا عن مرحلة ما قبل عام 2005، سواء من حيث موازين القوى الداخلية في لبنان أو من حيث طبيعة التحالفات الإقليمية والدولية المحيطة بسوريا.
كما أن المخاوف الإسرائيلية لا تتوقف عند الحدود السورية اللبنانية، بل تمتد إلى احتمالات تشكل اصطفافات جديدة في المنطقة، خاصة مع الحديث عن تقارب محتمل بين دمشق وعدد من العواصم العربية، إلى جانب محاولات إعادة دمج سوريا تدريجيا في محيطها الإقليمي بعد سنوات من العزلة.
وفي المقابل، تبدو دمشق حريصة على تقديم نفسها كشريك في الاستقرار لا كطرف في المواجهة، من خلال التركيز على التعاون الاقتصادي وتعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية، وهي رسائل تحمل دلالات سياسية مهمة في مرحلة تبحث فيها سوريا عن استعادة موقعها الإقليمي بوسائل مختلفة عن تلك التي كانت سائدة في الماضي.
غير أن أي مقاربة لمعالجة ملف حزب الله أو مستقبل الجنوب اللبناني تبقى رهينة بتعقيدات تتجاوز الأطراف المباشرة، إذ تتداخل فيها حسابات الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران وتركيا ودول عربية أخرى، ما يجعل من الصعب تصور حلول سريعة أو أحادية الجانب.
وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن لبنان سيظل في قلب التوازنات الإقليمية الحساسة، بينما تواصل القوى المختلفة البحث عن صيغ جديدة لإدارة الصراع وضبط النفوذ. أما السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم، فهو ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو مرحلة من التسويات السياسية المتدرجة، أم أن تعدد المصالح وتضارب الأجندات سيؤدي إلى إنتاج أزمات جديدة بأدوات وعناوين مختلفة.
مقالات ذات صلة
السياسة بين الإنصاف والخصومة… حين يكتب التاريخ بعيدًا عن ضجيج المواقف
نتنياهو بين تآكل الهيبة وصعود البدائل… هل تدخل إسرائيل مرحلة ما بعد “الرجل الذي لا يُهزم”؟
الجواسيس في عصر البيانات… عندما تصبح المعلومة سلاحًا يفوق الصواريخ
تدبير مجلس الجديدة… بين السطحية الميدانية وغياب الرؤية التنموية الشاملة
وأُسْــدِل الْسِّتَــار عَن مُونْدِيَال Mondial 2026


Comments ( 0 )