كليات الطب على صفيح ساخن.. طلبة الطب يحذرون من غموض إصلاح التكوين ومخاطر المرحلة الانتقالية

المحور الصحفي // هيئة التحرير

تلوح بوادر احتقان جديد في كليات الطب وطب الأسنان والصيدلة، بعدما جددت اللجنة الوطنية لطلبة الطب وطب الأسنان والصيدلة تحذيراتها من استمرار ما وصفته بالغموض الذي يلف تدبير المرحلة الانتقالية المرتبطة بإصلاح منظومة التكوين الطبي والصيدلي، مطالبة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار بتقديم توضيحات دقيقة حول الآليات العملية المعتمدة لتنزيل الإصلاح، وانعكاساته المباشرة على المسارات الدراسية للطلبة.

وفي هذا السياق، أعادت اللجنة فتح النقاش حول الانتقال من سبع سنوات إلى ست سنوات في تكوين الأطباء، إلى جانب تقليص مدة التداريب الاستشفائية الخارجية من ثلاث سنوات إلى سنتين، معتبرة أن هذه التغييرات تطرح تساؤلات جوهرية بشأن مدى قدرة النظام الجديد على ضمان تكوين سريري ومهني متكامل، خاصة في ظل ما تعتبره محدودية في البنيات الجامعية والاستشفائية المخصصة للتدريب.

وتزداد حدة هذه التساؤلات مع محاولة المؤسسات الجامعية تدبير انتقال الطلبة من النظام القديم إلى النظام الجديد، وسط مخاوف من تداخل المسارات واختلاف شروط التكوين والتقييم والتخرج بين دفعات ولجت كليات الطب في سنوات مختلفة.

وفي هذا الإطار، ترى اللجنة أن طلبة دفعة 2023 يواجهون وضعية انتقالية أكثر تعقيداً، بسبب عدم وضوح الكيفية التي سيتم من خلالها استكمال مسارهم الدراسي في ظل اعتماد النظام الجديد، خصوصاً فيما يتعلق بالوحدات الدراسية التي قد يكونون مطالبين باستدراكها أو إعادة اجتيازها، فضلاً عن كيفية احتساب المكتسبات السابقة ضمن المسار الجديد.

وتحذر اللجنة من أن غياب تصور موحد وواضح قد يفتح المجال أمام اختلاف طرق تنزيل الإصلاح من كلية إلى أخرى، بما قد يؤدي إلى تفاوت في شروط الدراسة والتقييم والتخرج بين طلبة يتابعون التخصص نفسه داخل منظومة جامعية واحدة.

ولذلك، دعت المجالس المحلية لكليات الطب وطب الأسنان والصيدلة إلى التنسيق مع عمداء المؤسسات الجامعية وعقد اجتماعات عاجلة، بهدف وضع تصور موحد لتسوية الملفات العالقة، مؤكدة في الوقت ذاته رفضها تحميل الطلبة وحدهم تبعات مرحلة انتقالية مرتبطة بإصلاح مؤسساتي يفترض أن تدبره الجهات المسؤولة وفق قواعد واضحة ومعلنة.

ولا تقتصر المخاوف التي عبر عنها الطلبة على الجانب الأكاديمي، بل تمتد أيضاً إلى مستقبلهم المهني، بالنظر إلى الارتباط الوثيق بين جودة التكوين الطبي وعدد التداريب السريرية والتطبيقية التي يستفيد منها الطالب. وترى اللجنة أن تقليص سنوات الدراسة ينبغي ألا يتحول إلى تقليص في فرص اكتساب الخبرة والمهارات والكفاءات الأساسية اللازمة لممارسة المهنة.

وتضع اللجنة الوطنية للبنية الاستشفائية والجامعية في صلب انتقاداتها، خصوصاً فيما يتعلق بتكوين أطباء الأسنان والصيادلة، معتبرة أن الارتفاع المتواصل في أعداد الطلبة لم يواكبه توسع مماثل في البنيات والتجهيزات ومرافق التدريب.

وبحسب اللجنة، فإن استمرار هذا الوضع قد ينعكس على جودة التكوين، ويحد من قدرة الطلبة على الاستفادة الفعلية من التداريب التطبيقية والاحتكاك بالحالات السريرية الضرورية لاكتساب الخبرة المهنية.

وتشير اللجنة كذلك إلى استمرار عدد من الاختلالات المرتبطة بالبنيات الاستشفائية، من بينها غياب مراكز استشفائية متخصصة لدى بعض كليات طب الأسنان، إلى جانب تعثر مشاريع لإحداث بنيات مماثلة منذ سنوات.

وترى اللجنة أن نجاح أي إصلاح لمنظومة التكوين الطبي والصيدلي يظل مرتبطاً بتوفير فضاءات تدريب كافية ومجهزة، وأطر مؤهلة، وحالات سريرية متنوعة، معتبرة أن تغيير مدة الدراسة أو إعادة هيكلة المسالك لن يكون كافياً ما لم تتم مواكبته بإمكانات مادية وبشرية تضمن تحقيق أهداف الإصلاح.

وفي هذا السياق، تؤكد اللجنة أن تقييم إصلاح التكوين الطبي لا ينبغي أن يقتصر على عدد سنوات الدراسة، وإنما يجب أن يستند أساساً إلى جودة التكوين الذي يحصل عليه الطالب، ومدى تمكنه من المهارات العلمية والتطبيقية الضرورية قبل التخرج والانتقال إلى سوق الشغل وممارسة المهنة.

وفي ملف آخر، أثارت اللجنة ما راج بشأن مزاعم تسريب مواضيع المباراة المشتركة للولوج إلى كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان العمومية، مطالبة بالتحقق من حقيقة هذه المعطيات واتخاذ ما يلزم لضمان نزاهة المباراة.

وأكدت اللجنة أنها لا تتخذ موقفاً مسبقاً من نتائج أي تحقيق محتمل، غير أنها شددت على ضرورة التعامل بجدية مع هذه المزاعم، بالنظر إلى حساسية مباريات الولوج وأهمية ضمان الشفافية وتكافؤ الفرص بين جميع المترشحين.

ويعيد هذا الملف إلى الواجهة النقاش حول طرق تنظيم مباريات الولوج إلى التكوين الطبي، التي تعرف إقبالاً كبيراً من الحاصلين على شهادة البكالوريا، في ظل منافسة قوية تجعل أي شبهات مرتبطة بنزاهة الامتحانات أو تسريب مواضيعها قضية تمس ثقة الطلبة والأسر في منظومة الولوج إلى هذه التخصصات.

وأمام تراكم هذه الملفات، دعت اللجنة الوطنية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار إلى عقد اجتماع عاجل معها، بهدف تقديم توضيحات دقيقة بشأن مسارات المرحلة الانتقالية، وتسوية وضعيات الطلبة العالقة، وضمان تكافؤ الفرص وجودة التكوين.

وأكدت اللجنة أن الحوار يظل خيارها المفضل، شريطة أن يقوم على الوضوح والشفافية وتحمل المسؤولية المؤسساتية، معتبرة أن مستقبل التكوين الطبي والصيدلي لا يحتمل استمرار حالة الغموض، وأن نجاح الإصلاح يتطلب قرارات واضحة وآليات تنفيذية دقيقة تراعي حقوق الطلبة.

وبين طموح إصلاح منظومة التكوين الطبي والصيدلي، والحاجة إلى ملاءمة المسارات الدراسية مع المتغيرات الجديدة، تبدو المرحلة الانتقالية أمام اختبار حقيقي، إذ لن يقاس نجاح الإصلاح فقط بتقليص مدة الدراسة أو إعادة تنظيم المسالك، وإنما بمدى قدرته على تخريج أطباء وصيادلة وأطباء أسنان يتوفرون على الكفاءة العلمية والعملية اللازمة، داخل منظومة تضمن في الوقت نفسه وضوح القواعد وتكافؤ الفرص وجودة التكوين.

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment