بين رفاهية إكسيل وصمت الموت: مجزرة تهز بروكسل

المحور الصحفي // عبد القادر الفرساوي
في قلب العاصمة الأوروبية بروكسل، وبين أحيائها التي تعج بالحياة والرفاهية، تتربع “إكسيل“، تلك البلدة التي تحمل بين أزقتها قصص النخبة الأوروبية. شوارعها مصقولة تحت وهج المصابيح، تتناغم فيها نوافذ الفيلات الفاخرة مع الأشجار الوارفة و الشقق الساحرة، وتنساب على جنباتها ضحكات المارة وهم يرتشفون قهوتهم في مقاهٍ تعكس بريق الحياة الراقية. إكسيل، التي طالما كانت ملاذًا للطبقات المترفة والمثقفين، صارت فجأة عنوانًا لجريمة تقشعر لها الأبدان، تمزج بين الحب واليأس، وبين الغموض والدماء.
إكسيل، ذلك الحي الهادئ الذي يعج بالحكايات، حيث تقع برك الماء التي تعكس السماء بأناقتها، وحيث تصطف الفيلات التي تنافس قصور الروايات الأوروبية،
وقف منزلٌ على شارع “جان“، يحكي هذه المرة حكاية تختلف عن الباقيات. هنا، في هذا الشارع المزين بالأشجار والمنازل التي تحمل قصصاً من الرخاء والعائلة، يكمن بيت صامت، لا تصدر منه إلا رائحة الموت.
بين شقوق الأبواب الفاخرة وسقف المنزل المزدان بالثريات الكريستالية، اختبأت أسرار ليلة من الجحيم. صوت الرصاص الذي لم يسمعه أحد، وعبير الموت الذي اختلط بعبق الفخامة، كانت الحكاية قد بدأت.
عندما وصلت الشرطة إلى المكان، إلى مسرح الجريمة، حيث الرفاهية تحتضر، بدت واجهة المنزل خادعة، كأنها تنتمي لعالم آخر. جدرانه البيضاء، مزينة بنباتات خضراء تتسلقها، ونوافذه الواسعة التي تشي بحياة مليئة بالحيوية والدفء. لكن الداخل كان مشهداً مختلفا.
في الصالة، تحت ثريا تتدلى بترف كأنها تسخر من المأساة، كانت الأم ممددة على الأرض. وجهها يحمل دهشة اللحظة الأخيرة، عيناها تحدقان في اللاشيء، بينما رصاصة باردة قد اخترقت رأسها لتطفئ شمعة حياتها. إلى جانبها، كان الكرسي الصغير المخصص للرضيع يقف كأنه شاهد صامت على المأساة. الرضيع، الذي لم يتجاوز عمره عاما واحداً، كان مستلقيا فيه بلا حراك، كأنه غارق في نوم أبدي. وجهه البريء الذي لم يعرف من الحياة سوى دفء حضن أمه كان يعكس تساؤلًا صامتًا: لماذا أنا؟
أما المراهق، في غرفته، بين كتبه المدرسية وألعاب الطفولة التي لم يعد لها صاحب، كان جسده الهامد يروي قصة موت بطيء بالسم، سم تسلل بهدوء ليقتل أحلامه التي لم تبدأ بعد.
على جدران المنزل، ترك القاتل رسائل بائسة. كلمات قليلة مكتوبة بتوتر اليد المرتعشة، تفيض بالندم والأسى. لكنها لم تكن كافية لتبرير المجزرة.
كان الرجل، الذي نشر فيديوهات حالمة على وسائل التواصل الاجتماعي قبل أيام فقط، يقول: “أحبك… سأراك قريبًا.”، كأنه كان يقف على حافة الهاوية، يودع العالم بطريقته، غير مدرك أن اضطرابه النفسي كان يحوله إلى قنبلة موقوتة.
كثيرون يمرون باضطرابات داخلية، يحسبونها مجرد ضيق صدر عابر، لحظات ثقيلة ستنتهي قريباً. لكن في بعض الأحيان، تكون تلك اللحظات بوابة لمشاعر مظلمة تتراكم في أعماق النفس، حتى تنفجر. هذا الرجل لم يرَ نفسه كضحية اضطراب نفسي، بل ظن أن ما يشعر به هو مجرد غضب عاطفي، مرحلة سينهيها بأفعاله المروعة.
خارج المنزل، تجمّع الجيران، مندهشين مصدومين أيديهم ترتجف وألسنتهم عاجزة.
“لا أصدق، كان المنزل يبدو طبيعيًا تمامًا. عائلة راقية، أطفال يبتسمون دائمًا.”، قال أحدهم.
بينما أضافت جارة بصوت مختنق: “منزل مليء بالحب تحول إلى مسرح للجريمة. كيف يمكن أن يحدث هذا؟”
كان الحي، الذي لطالما غنّى فيه العصافير، يغرق في صمت ثقيل. صمت كأنه يخجل من الحادثة، كأن رفاهية إكسيل لم تعد قادرة على إخفاء القسوة البشرية.
جريمة شارع جان ليست مجرد قصة عن حب تحول إلى عنف، بل هي مرآة للضعف البشري. في هذا الحي الفاخر، حيث تُباع الأحلام على هيئة عقارات فخمة، تُذكّرنا الحادثة بأن النفس البشرية قد تكون أكثر تعقيدا من أي رفاهية.
بين رائحة الورد المزروع بعناية في حدائق إكسيل، تختلط الآن رائحة الدماء. وبين بريق الشوارع الهادئة، ينساب ظل المأساة. تلك المأساة التي تقول: *وَمِنَ الحُبِّ مَا قَتَل، ومن الثراء ما لم يشفِ جراح الروح.
مقالات ذات صلة
مراكش الكبرى تستعد لإعادة رسم خريطة التنقل الحضري.. مخطط استراتيجي يستشرف احتياجات السنوات الـ15 المقبلة
زخات رعدية قوية وتساقطات ثلجية ورياح مرتقبة بعدد من مناطق المغرب
إسبانيا تقر حزمة مساعدات بـ30 مليون يورو لضحايا كارثة القطار.. ووزير النقل يستبعد الاستقالة
هشام البلاوي يستعرض حصيلة استقلال النيابة العامة وأولويات الإصلاح والتعاون القضائي الدولي
طنجة تحتضن الندوة العلمية الدولية الرابعة حول اضطرابات النمو العصبي والتعلمات والإدماج
أزمة إصلاح واستبدال تلاحق «آيفون ديو».. أبل تواجه صعوبات في تلبية طلبات العملاء
Comments ( 1 )
Write a Reply or Comment
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.


لا حول ولاقوة إلا بالله