على المكشوف… مَصْلُ الفساد… وداوِني بالتي هي الداء

المحور الصحفي // ابراهيم بلا
يُقال إن البعض يحارب الفساد فقط لأنه لم يستفد منه، لا لأنه ضده. والواقع أن فضيحة بيع شهادات الماستر بكلية الحقوق في أكادير، وما أثارته من جدل ونقاش عمومي، كشفت لنا وجوهاً جديدة من السخرية السوداء: أصوات تُطالب بـ”حقها” من كعكة الفساد، وتُعبّر – دون خجل – عن شعورها بأنها كانت مغفَّلة، لأنها لم تستغل الفرص حينما أُتيحت لها.
الوزير يقول: “الكل فاسد”، وهو تصريح صادر عن مسؤول في وزارة يُفترض أنها في طليعة محاربة الفساد! فماذا تبقّى إذًا من معنى للمساءلة أو النزاهة؟
في هذا البلد، ما زال البعض لا يُفرّق بين الفساد والشفافية، وبين الحق والرشوة. وحين تختلط المفاهيم، يصبح كل شيء إما ممنوعاً أو مباحاً، بلا منطقة وسطى.
أحد الأصدقاء يحكي أنه تقدم لاجتياز مباراة توظيف، وكان من بين الشروط تخصيص 25% من المناصب لمكفولي الأمة وأبناء المحاربين القدامى. وكان ملفه يحتوي على وثيقة رسمية تثبت هذه الصفة. لكنه فوجئ بالموظف المسؤول يُعيد له الوثيقة، رافضاً ضمّها للملف، وكأنها “رشوة”!
الصديق لم يحتجّ، ربما لأنه لم يكن مقتنعاً بالوظيفة نفسها، أو ربما لأنه أدرك أن الوثيقة ستُؤخذ بعين الاعتبار لاحقاً – حين تحين لحظة “التصفية النهائية” – أو أن الجهة المُعلنة لا تعترف إلا بمن “يُعرّفها بنفسه”، لا بالوثائق.
في بعض المؤسسات الجامعية، أصبحت “الولوجيات” خاضعة لعلاقات مشبوهة أو محسوبية واضحة. لأن البعض لا يرى في التعليم سوى نوع من “البذخ الاجتماعي”، فالشهادة، في نظرهم، لا تكشف سرّ الذرة ولا تفتح باب الرزق.
المؤلم حقاً أن يفقد الناس الثقة في النزاهة والعدالة، وأن تشكَّ – في سرّك – أن صديقك الفقير الذي تم توظيفه، قد حصل على الوظيفة عبر موالاة أو صمت أو ربما لأنه “سكت ولم يدوِّن كثيراً”، في حين تم استبعاد مرشح “كثير الكلام والتدوين”!
مؤلم أن يصبح توظيف أي شخص موضع شك:
“أكيد تم توظيفه برشوة، أو علاقة، أو تبعية سياسية أو نقابية أو عائلية…”
مؤلم أن يخشى البعض المجاهرة برأيهم، خوفاً من خلق خصومات وهمية قد تجعلهم عرضة للإقصاء والتهميش.
فيا أيها الفاسدون، يا من تعتبرون ما تحصلون عليه “غنيمة”، حرّروا أنفسكم من هذا المستنقع، أو أرونا الطريق إليه علنًا، فـ”الوزير قال الكل فاسد”، ولا نريد أن نظل الاستثناء الوحيد، فالشيطان وحده – كما يقولون – من يخرج عن الجماعة!
فإذا كانت المساواة في الظلم عدلاً، فإن التفرقة في العدل ظلمٌ مضاعف.
في الفيلم المصري “عبود على الحدود”، يندهش “عبود” من كمّ الفساد الذي يراه أمامه – خمور، مخدرات، نساء – ويصيح:
“إيه الفساد اللي انتو فيه؟!” ثم يطلب سجارة مخدر قائلاً:
“Give me واحد فساد!”
لقد تجاوزنا اليوم مرحلة التنديد بالفساد، بعدما اكتشفنا أننا بلا آليات حقيقية لمحاربته… وربما دخلنا الآن مرحلة جديدة: مرحلة المطالبة بحقّنا في هذا الفساد!
مقالات ذات صلة
السياسة بين الإنصاف والخصومة… حين يكتب التاريخ بعيدًا عن ضجيج المواقف
نتنياهو بين تآكل الهيبة وصعود البدائل… هل تدخل إسرائيل مرحلة ما بعد “الرجل الذي لا يُهزم”؟
الجواسيس في عصر البيانات… عندما تصبح المعلومة سلاحًا يفوق الصواريخ
تدبير مجلس الجديدة… بين السطحية الميدانية وغياب الرؤية التنموية الشاملة
وأُسْــدِل الْسِّتَــار عَن مُونْدِيَال Mondial 2026


Comments ( 0 )