حينما تُسنَد الشؤون الفنية والثقافية لغير أهلها… فانتظر الساعة

المحور الصحفي // اليزيد الفحل
لا يخفى على أحد أن الثقافة والفن هما نبض الروح الحقيقية لأي مجتمع، وأنهما مرآة تعكس هويته وقيمه ومواهبه. لذلك، فإن إدارة الشؤون الفنية والثقافية تتطلب معرفة عميقة، حسًا جماليًا، وارتباطًا حقيقيًا بالواقع الثقافي والاجتماعي للمجتمع المعني. وعندما تُسنَد هذه الشؤون لغير أهلها، أي لأولئك الذين لا يحملون هذه المعرفة ولا يفهمون خصوصيات الميدان، فإن الكارثة تكون حتمية.
لقد شهدنا في السنوات الأخيرة نماذج عدة على تدبير لا يرقى إلى مستوى طموحات الفن والمبدعين، حيث تُعطى مفاتيح القرار لأشخاص بعيدين عن المشهد الثقافي، ينفذون برامج لا تلبي احتياجات الجمهور ولا تراعي خصوصيات التراث المحلي، بل أحيانًا تسير في اتجاهات تتنافى مع روح الإبداع والابتكار.
نتائج ذلك لا تظهر فقط في تراجع مستوى الفعاليات الفنية والثقافية، بل تمتد إلى تراجع حضور الجمهور، وضعف التأثير الاجتماعي والتربوي لهذه الفعاليات. فالخسارة لا تكون فقط في الجانب الفني، بل تتعداه إلى فقدان الفرص التنموية والاقتصادية التي يمكن أن توفرها صناعة الثقافة الحقيقية.
إن الثقافة تحتاج إلى من يفهمها، إلى من يعشقها، وإلى من يعرف كيف يمنحها الحرية والاحترافية في آنٍ واحد. إننا بحاجة إلى خبراء مبدعين، لهم رؤية واضحة، قادرين على تشجيع المبدعين ودعمهم، والارتقاء بالمشهد الثقافي إلى مستويات تليق بحجم إرثنا وتطلعاتنا.
إنَّ ترك المجال لغير المختصين في إدارة الشؤون الفنية والثقافية يؤدي أيضاً إلى تكرار الأخطاء نفسها، من سوء تخطيط، وتهميش للطاقات الشابة، وغياب للرؤية المستقبلية التي تواكب التطورات العالمية في هذا الميدان. كما يصبح الاستثمار في الثقافة مجرد ترف إداري، وليس خيارًا استراتيجيًا يستفيد منه المجتمع ككل.
علينا أن نُدرك أن الثقافة ليست مجالاً هامشياً يُمكن التفريط فيه أو التعامل معه بشكل عشوائي، بل هي ركيزة أساسية في بناء مجتمع متوازن ومزدهر، لأنها تعزز الهوية الوطنية، وتفتح آفاق الحوار والتفاهم بين الشعوب، وتغذي الروح الإبداعية التي تترجمها الفنون بمختلف أشكالها.
في نهاية المطاف، يجب أن نطرح سؤالاً بسيطاً: هل يمكن أن ننتظر نهضة ثقافية وفنية حقيقية مع استمرار إدارة الشؤون الفنية بغير أهلها؟ الجواب، للأسف، واضح؛ لن يكون هناك نهضة حقيقية ما لم يُعطَ الفنانون والمثقفون والمختصون الفرصة والمسؤولية الحقيقية، لن يحدث التغيير إلا عندما نمنح الثقافة ما تستحق من اهتمام، وندعم القائمين عليها بكفاءة واحترافية.
لذلك، فإنَّ المستقبل الثقافي لأي مجتمع يعتمد بشكل مباشر على مدى اهتمامه بتعيين أهل الخبرة والكفاءة، والالتزام برؤية واضحة تشجع الإبداع، وتحترم إرث الماضي، وتواكب تحديات الحاضر، لتُبنى ثقافة حقيقية تعيش بين الناس وتتفاعل معهم.
ولا يمكننا أن ننتظر المعجزات حين تُسنَد الشؤون الفنية والثقافية لغير أهلها. بل على الجميع أن يتحمل المسؤولية، وأن يطالب بفتح المجال للمختصين الحقيقيين، لأن الثقافة هي القلب النابض لأي مجتمع، ومن العبث أن يُترك هذا القلب يخفق بلا نبض.
مقالات ذات صلة
موسكو تعرقل وواشنطن تدفع نحو التغيير.. هل اقتربت نهاية زمن المناورات في قضية الصحراء المغربية؟
البرلمان المغربي.. حين يعلو الصراخ على صوت السياسة وتتحول الرقابة إلى استعراض فارغ
الصحراء المغربية.. من مكاسب التصويت إلى اختبار الحسم الدبلوماسي
سيدي يوسف بن علي.. أوراق موقعة على بياض وتنازلات بالجملة.. من يحرس سلامة العقود الإدارية؟
سيدي يوسف بن علي.. عمران يسبق المرافق ومنطقة تتسع على الورق فقط


Comments ( 0 )