مراكش بين وهج المونديال وظلال الإهمال: صورة لا تحتاج تعليقًا

المحور الصحفي // ايمان لعقاق
في قلب المدينة الحمراء، مراكش، التي لطالما كانت رمزًا للسياحة والجمال التاريخي، تتعايش صورتان متناقضتان بشكل صارخ. من جهة، هناك مراكش التي تُعدُّ لاستقبال أنظار العالم في إطار استعدادات المغرب لاحتضان كأس العالم 2030، ومن جهة أخرى، مراكش اليومية التي يعيشها أهلها في صمت، مثقلة بهموم التسيير، وأوجاع الإهمال، وتناقضات الواقع.
وسط الزحام والضجيج، يقف رجل خمسيني منكسر الظهر، يجمع القنينات البلاستيكية وبقايا النفايات من جانب حاويات مكتظة، تحيط بها الأوساخ من كل جانب، في مشهد يُفقد “المدينة السياحية” هالتها. بالقرب منه، تمتد أوراش عمومية معلقة، كانت في بدايتها مشاريع واعدة، لكنّها اليوم غارقة في العشوائية، ومجرد هياكل صامتة لا تُبشّر بانتهاءٍ قريب.
هذه الصورة التي تُشاهد يوميًا في أحياء متعددة مثل سيدي يوسف بن علي، والمسيرة، والملاح، تتناقض تمامًا مع الخطاب الرسمي الذي يُراهن على مراكش كواحدة من أبرز واجهات المغرب خلال العرس الكروي العالمي. نعم، هناك تعبئة لتحسين واجهات المدينة، هناك تزويق للساحات وطلاء للأرصفة، لكن تحت هذا اللمعان المؤقت، يُطرح السؤال الحقيقي: هل هذا التجميل من أجل المواطن أم من أجل الكاميرا؟
التحضيرات للمونديال تشمل بالطبع بنية تحتية حديثة، توسعة طرق، إنارة جديدة، وحتى ترميم بعض المعالم، غير أن هذه الجهود تُقابل أحيانًا بتساؤلات حادة من الساكنة. يقول أحد سكان حي السلام: “هاد الأشغال زادت في الزحام، خربات الطرق وما كملوهاش، واش خاصنا كأس العالم باش يديرو لينا الزبل؟”
وفيما يرى بعض الفاعلين المحليين أن هذه المرحلة فرصة حقيقية لتحسين حياة السكان، يرى آخرون أن جزءًا من هذه الإصلاحات يتعامل مع المدينة كما لو كانت ديكورًا مؤقتًا لحدث عابر، لا مدينةٌ يعيش فيها بشر، لهم مطالب يومية، وكرامة تستحق أن تُصان في كل الفصول، لا فقط حين تكون الكاميرات مشغّلة.
مراكش، اليوم، تقف على مفترق طرق. فإما أن تستغل الزخم العالمي لإصلاح جذري وبناء نموذج حضري يُنصف الإنسان قبل الواجهة، وإما أن تكتفي بدور المدينة التي تُجمّل وجهها للغرباء بينما تترك أبناءها في الخلف، يصارعون النسيان بين أزقة الأحياء الهامشية.
ومع كل هذا، تبقى الكرة في ملعب من يُدبّر الشأن المحلي، ممن تقع على عاتقهم مسؤولية ألا تكون المدينة مجرد مشهد جميل في البث المباشر، بل فضاءً حقيقيًا للعيش الكريم، حيث تُحترم كرامة البسطاء، وتُرفع القمامة كما تُرفع الشعارات.
فهل تُثبت مراكش، حقًا، أنها تستحق لقب “العاصمة السياحية”، لا فقط في الذاكرة الجمعية، بل في تفاصيل العيش اليومي؟ الزمن، كعادته، سيكون هو الفيصل.
مقالات ذات صلة
السياسة بين الإنصاف والخصومة… حين يكتب التاريخ بعيدًا عن ضجيج المواقف
نتنياهو بين تآكل الهيبة وصعود البدائل… هل تدخل إسرائيل مرحلة ما بعد “الرجل الذي لا يُهزم”؟
الجواسيس في عصر البيانات… عندما تصبح المعلومة سلاحًا يفوق الصواريخ
تدبير مجلس الجديدة… بين السطحية الميدانية وغياب الرؤية التنموية الشاملة
وأُسْــدِل الْسِّتَــار عَن مُونْدِيَال Mondial 2026


Comments ( 0 )