الشرق الأوسط.. من ساحة نفوذ عسكري إلى ورشة تصنيع دفاعي أميركي

المحور الصحفي // اليزيد الفحل

تقرير “معهد الأمن القومي اليهودي الأميركي” يكشف بوضوح أن الولايات المتحدة تدخل مرحلة دقيقة في قدرتها على خوض الحروب الحديثة. لم تعد واشنطن اليوم قادرة على إقناع خصومها بقدرتها على الاستمرار في حرب استنزاف طويلة الأمد، بعد أن أثبتت حرب أوكرانيا وغزة هشاشة مخزونها من الذخائر وصعوبة تعويضه في المدى القريب. الأزمة لم تعد مالية أو لوجستية فحسب، بل باتت أزمة وجودية تمسّ جوهر ما يُسمى بـ”الردع الأميركي”.

التحذيرات التي أطلقها الأمين العام لحلف الناتو بأن المخزونات الأميركية “صغيرة للغاية” ليست مجرد جملة عابرة، بل إقرار ضمني بأن أقوى جيش في العالم قد يجد نفسه عاجزًا عن الاستمرار في حرب كبيرة أمام روسيا أو الصين. هذا العجز يُضعف صورة الولايات المتحدة كقوة عظمى، ويجعل حلفاءها وخصومها على السواء يعيدون حساباتهم.

التقرير يطرح الشرق الأوسط، وتحديدًا إسرائيل والسعودية والإمارات والبحرين، كشبكة بديلة لدعم الصناعة الدفاعية الأميركية. الفكرة تقوم على توزيع عبء التصنيع العسكري على حلفاء يملكون المال والتكنولوجيا والطموح الجيوسياسي. إسرائيل تمتلك خبرة تكنولوجية مثبتة من خلال القبة الحديدية، السعودية تملك ميزانية دفاعية هائلة وخطط توطين الصناعات، الإمارات تضع قدمها في سباق الرقائق والذكاء الاصطناعي، والبحرين تُطرح كلاعب إقليمي ضمن التحالف الأمني الخليجي.

لكن خلف هذه “الشراكات الصناعية” تكمن لعبة سياسية أكبر: واشنطن تريد أن تحافظ على هيمنتها من دون أن تغرق مجددًا في رمال الشرق الأوسط العسكرية. التصنيع المحلي للدول العربية ليس استقلالًا بل هو إدماج في شبكة تصنيع أميركية أوسع، بحيث تظل مفاتيح التكنولوجيا والتوريد في يد واشنطن.

الخطة الثلاثية التي يقترحها التقرير (إنتاج مواد خام – توسيع الذخائر – تطوير مشترك للتقنيات المتقدمة) تبدو في ظاهرها منهجية لتطوير صناعات محلية، لكنها في حقيقتها قد تضع هذه الدول في ارتهان تدريجي للمنظومة العسكرية الأميركية. فبدل أن يصبح الخليج لاعبًا مستقلاً، قد يتحول إلى مجرد خط إنتاج خلفي للآلة الحربية الأميركية.

ما يلفت الانتباه هو غياب أي نقاش جدي حول توظيف هذه الشراكات لصالح بناء “أمن إقليمي مستقل”. التركيز ينصب على حماية “الردع ضد إيران” ودعم مرونة واشنطن أمام الصين وروسيا، بينما تُترك قضايا المنطقة الأساسية – فلسطين، السيادة الوطنية، التنمية الداخلية – خارج جدول الأعمال.

التقرير يقدّم الشرق الأوسط كساحة إنقاذ لصناعة السلاح الأميركية، لكن الحقيقة أن واشنطن تحاول إعادة تعريف علاقتها بالمنطقة: من قاعدة عسكرية مباشرة ومكلفة، إلى قاعدة تصنيع موزعة وأقل كلفة. بالنسبة للعواصم العربية، السؤال المحوري ليس: ماذا سنصنع مع أميركا؟ بل: هل ستقود هذه الشراكات إلى استقلال استراتيجي حقيقي، أم إلى مرحلة جديدة من التبعية المقنّعة؟

🔴 الجرأة هنا أن نقرأ ما بين السطور: الولايات المتحدة لم تعد قادرة على قيادة الحروب وحدها، وهي تبحث عن “ورشة بديلة” في منطقتنا. والاختيار أمام دول الشرق الأوسط ليس تقنيًا أو اقتصاديًا فقط، بل وجوديًا: هل نصبح شركاء في صناعة السلاح، أم مجرد عمال في مصنع كبير اسمه “الردع الأميركي”؟

 

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment