حين يتكلم الوعي المقموع عن علم أو بدونه بلسان السلطة

المحور الصحفي // عمر شانا
في كل مرحلة دقيقة من تاريخ هذا الوطن، يخرج من يظنّ نفسه “عقلًا متزنًا” أو “وسيطًا” ليعيد إنتاج نفس الأكاذيب بعباراتٍ أنيقة، لكن يبقى الواقع كاشفًا.
واليوم، بعد إسهال التدوينات منذ أن تم قمع أحد الشباب الذي أراد أن يدلو بدلوه حول ما يراه صائبًا بإعطاء الحركة الأمازيغية حيزًا لتقول كلمتها حتى تكون الصورة كاملة وتكون الديمقراطية ممارسة قبل أن تكون شعارًا فارغًا، تلاه موقف الجامعي، تلتها تدوينة سليمان الريسوني، ومن بعدها تبريرات من يدافع عن الجامعي وكأنّه قاصر لا يستطيع أن يدافع عن موقفه، في مشهد أقرب إلى العشيرة والقبيلة في شكلها العروبي الإسلاموي البائد حيث يدافع كلّ واحد عن أخيه ظالمًا أو مظلومًا، وحيث الغاية مهما كانت قذارتها تبرّر الوسائل. وليس القبيلة في شكلها التضامني حول ما يجمع الإنسانية من قيم عليا ضحّى من أجلها أجيال عدة؛ وعوض الخروج بنفس القوة واللهجة للدفاع عن المعتقلين وأسرهم وعن مطالب الحراك الشبابي، سيخرجون بسهام التخوين والضرب في جرح غائر لربما لا يعلمون عنه شيئًا. ولتتضح الصورة أكثر فليست المشكلة في جهلهم بالحركة الأمازيغية، بل في استبطانهم العميق لمنطق السلطة التي صنعتهم فكريًا، فأصبحوا بذلك ينتجون خطاب “الذباب المتبربر”،من أنتم، صناعة المختبرات، شعرة معاوية…
أولًا، أود أن أقول إنه حين يصف الريسوني الأمازيغ الأحرار بـ”الذباب المتبربر”، فهو لا يهاجم أشخاصًا بقدر ما يحاول دفن ذاكرة المقاومة الأمازيغية في مقبرة البلاغة العروبية، ويعطي لنفسه الحق أن يرى بلاد إيمازيغن أنها تحت المركزية العربية، وكل هذا وهو يعتقد أنه ليس قومجيًا؛ وعلينا ابتلاع هذا العصاب وإلا فنحن العنصريون المفرقون الدخلاء. “الذباب المتبربر”، أهناك سكِيزوفرينيا وشوفينية أكثر من هذه؟ وبعدها يأتي من يزعم الدفاع عن “المنهجية” والعقلانية كالمساوي والبكاري ليقولا إن الهجوم على الجامعي كان مبالغًا فيه، بل ويرون أن الجامعي كان يدافع عن الأمازيغية، وعلينا أيضًا ابتلاع هذا وإلا فنحن الشوفين وصناعة مخبرية ومن أنتم… أريد فقط أن أفهم أليس من الأجدر أن يعتذر الإنسان المناضل الصادق بكل تجرد عن أخطاء ارتكبها أولًا؟ وإن انطلقنا من حسن النية أنه لا يفقه فيها شيئًا، فليكن صادقًا قبل كل شيء مع نفسه؛ وهذا ربما سيعيد الثقة. فبالشكل الذي خرجوا به في وقت واحد تجاه الأمازيغية، أصبح من الظاهر أنهم لا يدافعون عن الحقيقة، بل يمارسون وظيفة الإطفائي في معمل الهيمنة حيث يبرّدون الغضب الشعبي كي يظل الخطاب المهيمن دافئًا في حضن السلطة بتوجيه الاتهامات إلى الأستاذ المحترم أحمد عصيد وكأنّه هو من ارتكب كل الأخطاء المرتكبة، أو هو من فاز على فرنسا في مباراة كرة القدم في نصف نهائي كأس العالم لأقل من 20 سنة، مما جعل جمهور الشباب يحسّ بنشوة نعرف أنها عابرة، وهذا سيؤثر بطبيعة الحال نسبيًا على الوضع الاحتجاجي وهذا طبيعي للمكانة أو الدور الذي تلعبه كرة القدم لكونها رياضة شعبية عالميا وليس لأن أحمد عصيد خرج ليقول الحقيقة عارية كما يراها دون أن يلزم بها أحدًا كعادته.
المؤسف حقا هو أن يتحوّل بعض الوجوه المحسوبة على المشهد النضالي إلى حرّاس ناعمين للمخزن الثقافي؛ يتحدثون عن “حسن النية” بينما تُقمع اللغة، وتُهمّش الجغرافيا، ويُحاكم التاريخ الأمازيغي بعيونٍ شرقيةٍ لا ترى إلا من خلال مرايا العروبة السياسية، ويجعل العروبة مركزًا في بلاد الأمازيغ عند الريسوني. ويصبح جدار المواطنة الصلب تجاه أي تدخل إمبريالي ثقافي كان أو سياسي مجرد “شعرة معاوية” عند البكاري. فإذا كان ما يجمعنا مجرد شعرة، فلتقطعها يا خالد لنرى ما تحمله بداخلك، رغم أنه واضح من خلال خرجتك، أما الأمازيغية فلما يجمعها مع المواطنين ليس مجرد شعرة. لكن يا للأسف ويا للكارثة، عن أي نوع من المناضلين نتحدث؟ نعم، يا لها من كارثة أصاب بها الجسم النضالي أشخاصٌ يرون في أنفسهم الطليعة، لكن اتضح أنهم فعلاً الطليعة باللغة الدارجة المغربية التي ستفضحهم عبر خرجاتهم، وليس الطليعة بالفصحى. لأن بكل بساطة هناك بعض المواقف تأتي في لحظات تستدعي أقصى درجات الحذر، لأن خطأً واحدًا في الخطاب قد يفتح بوابة كاملة للارتداد التاريخي. حين يكتب مثقف يرى في نفسه يساري ضد الحركة الأمازيغية، عن علم أو عن غير علم، فهو يُهدي لنفس المخزن الذي يقول أنه يريد إسقاطه ذريعة جديدة لتأبيد الإقصاء عبر تحريف بوصلة النقاش فلكل فعل ردة فعل ويتحول النقاش من فرانز فانون الذي حذّر من ذهنية المستعمَر إلى علال الفاسي وصناعته لمفهوم منبثق من البرجوازية الرباطية يغلط به الرأي العام حينها والمعروف بالظهير البربري هذا المفهوم الذي صنع من قبل هذه البرجوازية العربية لأنها أحست بخطر وجودي هو ما يعتبر أداة للمستعمِر إبانها وهؤلاء بهذه الخرجات يؤدون دور آستمرارية هذه المفاهيم البائدة، ويتحول النقاش من أسئلة التحرر إلى شعارات “الوحدة العربية” التي تُستعمل كسياطٍ لتأديب الهويات الأصلية. والأخطر هو تبرير هذه الممارسات وتخوين من يقول: “نرفض أن يتم تذويبنا في لعبة قدرة تجعل من معارك سنوات عدة وتضحيات جسام إلى هبة أو منحة فقط بألاعيب لغوية.”
فأي “حسن نية” هذا الذي يجعل من ضحايا الإقصاء الممنهج متهمين، ومن السلطة المتغوّلة راعيةً للتنوّع؟ أليست نفس “النوايا الطيبة” التي جعلت اليسار التاريخي الذي يرىةفي نفسه “الجذري” يتواطأ مع الإسلام السياسي؟ هذا الإسلام السياسي الذي يقول عنه الجامعي إنه وحدوي، وأعطانا أمثلة عن كيف أنهم حضروا من أجل الحوار ولم يحضر اليسار في إحدى الندوات التي نُظمها في إحدى الدول الأوروبية، أنسى أم تناسى من أخلى الشارع في أوج احتجاجات 20 فبراير بشكل غير مفهوم حين حصل على ضمانات أن أخاه في البشاعة سيتولى تسيير الشأن العام؟ على الأقل أحمد عصيد الذي يتهمه المساوي بتحوير النقاش زورا دون أن يطلع على مداخلاته ربما (أما إذا كان مطلعا عليها فالكارثة أعمق) لم يفعل هذا، والحركة الأمازيغية لم تفعل هذا، بل حلفاؤكم الذين لن يتوانوا عن فعلها مجددًا كلما سنحت لهم الفرصة. وما عليكم إلا أن تلقي نظرة على ما فعل الإسلام السياسي في الشرق يا هواة العروبة؛ فالإسلام السياسي هو الأداة المفضلة للإمبريالية لتشتيت الأوطان، فهو الحاضنة حيث تُخترع دائمًا مختبرات “النية الحسنة” لتخدير الوعي واحتواء الغضب. فليس سرًا أن تعتبر الدولة كل مكسب منحة، وليس فقط رسمية الأمازيغية، عطلة رأس السنة، وحتى دستور 2011؛ ولكن القول بأنها يجب أن تكون في سياق ديمقراطي وكأنها ليست كذلك، فهذا يوضح أمرًا، إما أن هؤلاء لا يعلمون شيئًا عن مسار الحركة الأمازيغية أو كذّابون يريدون تضليل الرأي العام ويسعون لتفرقة الاحتجاجات بطريقتهم الماكيافيليّة، ليلصقوها في عصيد والحركة الأمازيغية كالعادة… لكي يأتي من يسمّي نفسه يساريًا زورًا وبهتانًا ويكرر هذا التوصيف ببرود، فإنه يشرعن رواية المخزن باسم العقلانية بسخرية رمادية ركيكة، من قبل فلنطرد الخنازير الفاشيين و النطيحة والمتردية وعلينا أن نبتلع هذا وأننا نحن هم الفاشيون العنصريون الدخلاء، الذباب… بل ويعيد نقاش الظهير البربري المصنوع أصلا في فيلات البرجوازية الرباطية.
وهنا جوهر الصراع المفاهيمي بين من يريد تحرير الإنسان، ومن يكتفي بتلميع وجه الجلاد عبر ألاعيب بهلوانية لا تضحكه إلا هو؛ تشتيت الانتباه حول مطالب الحراك المشروعة وقضايا معتقلي الحراك. وهذا بكل وضوح الأمازيغية بريئة منه تمامًا والتاريخ شاهد؛ فجِيشُ التحرير لم يُولد في استوديوهات وفيلات وبودكاستات المركز في الرباط والدار البيضاء، بل في قمم الأطلس والريف والصحراء والجنوب الشرقي نفس المناطق تُعاقَب اليوم بالتهميش، تُسحق في التنمية والتعليم والبنية وهذا ما لا يفهمه هؤلاء لا يفهمون أن النضال من أجل الحقوق في كليتها لا يمكن أن تستثني منها الحركة الأمازيغية فمثلا حين تقول أننا نريد التعليم المجاني ذو الجودة فالعالم مضاعف على الأمازيغ فبالطبع يلزمنا التعليم المجاني وذو الجودة والذي لائم لآلاف السنين بثقافتهم ولغتهم ولا زال يلائمها رغم كل جهود التعريب ليس لأن الإنسان الأمازيغي لا يحب العرب أو العربية بل فقط لأنه لا يريد أن يكون ما ليس هو أصعب عليهم أن يفهموا هذا مع العلم أنه يفهمونه جيدا حين يتكلمون بكل بجاحة عن حقوق الشعوب الأصيلة في مناطق أخرى في العالم. كما أن المناطق التي تكلم عنها الخطاب الملكي والتي تمثل ثلاثين في المائة أتعتقدون أن هذا المجال كله حين يعبر عن مطالبه بشكل ديمقراطي وينتزعها هو منحة؟ لكن بالمقابل دعونا نقرأ الرسالة التي أرسلتموها للملك وأنتم تحاولون تنميقها وتبدعون فيها بأقصى ما يمكنكم، فتجدون فيها نفس النسق السكِيزوفريني حيث تطالبون بملكية برلمانية، وعلى بعد فقرة تطالبون الملك بالملكية التنفيذية عبر دعمكم لطلب الملك بإسقاط الحكومة؛(تخيلوا معي لو حدث هذا، يا طليعة النضال يا لا بجاحتكم) وهذا يعبر عن التيه والانبطاح وشعوركم أنكم أصبحتم متجاوزين فعوض التوجه للجماهير الشبابية للفهم وللتأطير تستغلون الحراك وتتوجهون للملك. آسف، أعلم أنه إذا قرأ أحدكم هذا فبالطبع ولعدم القدرة على التجرد والتحليل والقراءة، فسيضغط على الزر الذي يدخله إلى منطقة الراحة ألا وهو أن صاحب هذا المقال من المخزن وهو كذلك متبربر، والمتصهين… بالطبع هذا لا يهمني، لأن لا يمكن لأحد فقد شرفه النضالي مما أفقده القدرة على التحليل، ومن يفتعل الصراعات مجانًا بكل غباء أوبكل ماكيافيلية، أن أسمح له بأن يعطي رأيه في ما أكتب.
بكل بساطة، يجب على مجموعة السكِيزوفرينيين أصحاب “أنصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا” أن تعلم أن الأمازيغية ليست ملفًا ثقافيًا فقط، وأننا لسنا في حاجة أن يذكروننا بهذا؛ بل إنهم أساؤوا لها بهكذا خرجات وتبريرات. بل هي في صلب مطالب السيادة والعدالة والكرامة. من يختزلها فقط في زخارف لغوية أو رمزية فولكلورية يخدم نفس النظام الذي يحاول إقناع نفسه أنه يواجهه والذي يريدها لغة متحف، لا لغة وعي. والذين يتهكّمون من “الذباب المتبربر” أو يبررون التهجم عليه باسم “سوء الفهم” إنما يشاركون عن قصد أو غفلة إذا ما آعتبرنا أنها حسن نية في حفر نفقٍ نحو الضوء بيدٍ، وردمه بالإسمنت المسلّح باليد الأخرى.
فالقضية اليوم ليست “حساسية ثقافية” فقط لكي يتجرّأ عليها كل من هبّ ودبّ؛ بل صراع وجودي قبل حتى أن تبدأوا مساركم النضالي بين وعيٍ يريد التحرر ووعيٍ مستلب يبرّر القيود. ومن يرى في الدفاع عن الأرض واللغة خطرًا على الوطن، فليراجع معنى النضال من أجل التعدد والاختلاف والهوية والسيادة والوطن بخلاصة عليه أن يقوم بثورة على نفسه وعن ما قام بتجرعه من سم زعاف لسنوات طوالأولًا قبل أن يأتي ليكرره كما يكرر نفس النسق القمعي الذي تعرض له ولم يستطع التحرر منه..
مقالات ذات صلة
ضرورة تجديد مناهج وبرامج الثانوي في ظل الحكومة الجديدة
هل أسقط المغرب رهان الانتظار الأممي وانتقل إلى مرحلة صناعة الحل النهائي للصحراء المغربية؟
أربعة ملايين سنتيم للسكن القروي.. هل تنجح الحكومة في تحويل الوعد إلى حقائق على الأرض؟
نبض الصحراء، ملحمة سيادة لا تريم
الصحراء المغربية .. انتهى زمن إدارة النزاع وبدأ زمن فرض المعادلات


Comments ( 0 )