مراكز البيانات تشعل الجدل في الانتخابات الأمريكية.. مرشحون ديمقراطيون يتعهدون بوقف التوسع في منشآت الذكاء الاصطناعي

المحور الصحفي // هيئة التحرير

تحولت مراكز البيانات، للمرة الأولى بهذا الوضوح، إلى قضية انتخابية حاضرة في سباق الانتخابات النصفية الأمريكية، بعدما حقق مرشحون ديمقراطيون تعهدوا بوقف أو تقييد التوسع في هذه المنشآت نتائج انتخابية لافتة، مستفيدين من تنامي المخاوف المحلية بشأن كلفة التوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وانعكاساتها على حياة السكان والبيئة.

وامتد هذا النقاش إلى ولايات تكساس وجورجيا وأوهايو، التي أصبحت وجهة جاذبة لشركات التكنولوجيا الساعية إلى إنشاء مراكز بيانات ضخمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي. غير أن هذا التوسع بات يواجه اعتراضات متزايدة من سكان ومجتمعات محلية، بسبب ما تستهلكه هذه المنشآت من طاقة ومياه، وما قد تسببه من ضوضاء وتلوث، فضلاً عن حاجتها إلى مساحات واسعة من الأراضي.

وتعكس هذه المخاوف، وفق استطلاع أجراه مركز «بيو» للأبحاث سنة 2025، حالة من التحفظ المجتمعي تجاه الذكاء الاصطناعي، إذ أفاد أكثر من نصف الأمريكيين بأنهم يشعرون بالخوف من هذه التكنولوجيا أكثر مما يشعرون بالحماس تجاهها.

وفي السياق ذاته، أشار مشروع «Data Center Watch»، وهو مبادرة بحثية تديرها شركة «10a Labs»، إلى تعرض ما لا يقل عن 45 مشروعاً لمراكز البيانات للتعطيل خلال النصف الثاني من عام 2026، نتيجة معارضة محلية، في مؤشر على اتساع الفجوة بين طموحات شركات التكنولوجيا ومواقف المجتمعات التي تستضيف هذه المنشآت.

في المقابل، دافع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن التوسع في بناء مراكز البيانات، وسبق أن وصف، خلال شهر شتنبر، الاعتراضات على هذه المشاريع والمخاوف المتعلقة بسلامة الذكاء الاصطناعي بأنها «مجرد خدعة»، معتبراً أن مراكز البيانات تساهم في خلق الثروة وتعزيز اقتصادات الولايات.

لكن نتائج استطلاع خروج أجرته شبكة «NBC» أظهرت أن أكثر من 50 في المائة من المشاركين اعتبروا الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات عاملاً حاسماً أو رئيسياً في قرارهم الانتخابي، بما يعكس انتقال القضية من النقاش التقني والاقتصادي إلى دائرة الاهتمامات السياسية المباشرة.

وفي خضم هذا الجدل، أثار الملياردير إيلون ماسك، أحد أبرز الداعمين للحزب الجمهوري، الانتباه بتعليقه على نتائج انتخابات الثلاثاء، إذ كتب عبر منصة «إكس»: «مراكز البيانات في الفضاء تبدو جذابة للغاية الآن»، في إشارة إلى احتمال البحث عن حلول بديلة للتحديات المرتبطة بإقامة هذه المنشآت على الأرض.

وكان ماسك قد ضخ، وفق المعطيات الواردة في المادة، نحو 474 مليون دولار في حملة الجمهوريين خلال الانتخابات النصفية، بينما يواصل تطوير مشروع «Colossus» في مدينة ممفيس، وهو مجمع ضخم لمراكز البيانات والحواسيب الفائقة مخصص أساساً لتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وتبرز ولاية تكساس باعتبارها واحدة من أبرز ساحات التنافس على استثمارات مراكز البيانات، بعدما استقطبت شركات تكنولوجية كبرى، من بينها «OpenAI» و«Anthropic» و«Oracle» و«Microsoft» و«Google» و«Meta» و«Amazon»، مستفيدة من الحوافز الضريبية والوعود بتوفير الأراضي والطاقة اللازمة لإنجاز مشاريعها.

وكان الحاكم الجمهوري غريغ أبوت قد أعلن، خلال شهر شتنبر، طموحه إلى جعل تكساس مركزاً رئيسياً للذكاء الاصطناعي، غير أنه اضطر لاحقاً إلى تعليق منح تصاريح جديدة لإنشاء مراكز البيانات، في انتظار استكمال مراجعة للملف.

وجاء هذا التحول في ظل تصاعد الضغوط السياسية، خصوصاً بعد تعهد منافسته الديمقراطية جينا هينوجوسا بفرض وقف مؤقت على أعمال بناء مراكز بيانات جديدة، إلى حين إقرار ضمانات قانونية تنظم هذه المشاريع وتحد من آثارها المحتملة على السكان والموارد المحلية.

أما في ولاية أوهايو، فقد اتخذت المعارضة المحلية منحى أكثر وضوحاً، بعدما أقرت 15 بلدية حظراً على إنشاء مراكز البيانات أو فرضت قيوداً إضافية على مشاريعها، في تعبير عن تنامي التحفظ تجاه التوسع السريع في هذا القطاع.

ويأتي ذلك رغم إعلان شركات كبرى عن استثمارات ضخمة في الولاية، إذ تعتزم «Meta» إنفاق مليار دولار لإنشاء مركز بيانات جديد، بينما تخطط خدمة «Amazon Web Services» لاستثمار ملياري دولار في مشاريع مماثلة.

وتكشف هذه التطورات عن تحول مراكز البيانات إلى ملف تتقاطع فيه المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات البيئية والاجتماعية والحسابات الانتخابية، بعدما أصبح الناخبون يطالبون بمزيد من الضمانات بشأن استهلاك الطاقة والمياه، وتأثير المنشآت الجديدة على أسعار الخدمات والبنية التحتية وجودة الحياة.

وبين رهانات شركات التكنولوجيا على تسريع سباق الذكاء الاصطناعي ومطالب المجتمعات المحلية بفرض ضوابط أكثر صرامة، يبدو أن مستقبل مراكز البيانات في الولايات المتحدة لن يتحدد فقط بحجم الاستثمارات والابتكارات، بل أيضاً بمدى قدرة السلطات على تحقيق التوازن بين النمو التكنولوجي وحماية مصالح السكان.

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment