بين أنفاق غزة وممرات واشنطن: سلام أمريكي بنكهة القوة

المحور الصحفي // اليزيد الفحل
في لحظة سياسية مشحونة بالتحولات، أعلنت الولايات المتحدة، برئاسة دونالد ترامب، عن مشروع قرار جديد في مجلس الأمن الدولي لدعم خطتها حول غزة، في خطوة تعكس توجهًا نحو فرض “سلام أمريكي” بقوة القانون والواقع. وجاء المشروع بعد سلسلة من التحركات الميدانية والسياسية، أبرزها زيارة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى إسرائيل، حيث أعرب عن تفاؤله بإمكانية نشر قوة دولية في القطاع، في إطار ما أسماه “مرحلة الاستقرار الانتقالي”.
هذا القرار الأمريكي لم يأتِ بمعزل عن السياق الإقليمي المتفجر، بل كان تتويجًا لتفاهمات مع شركاء من الشرق الأوسط، بينهم مصر وقطر والإمارات والسعودية وتركيا، ما يعكس رغبة واشنطن في إعطاء انطباع بوجود “غطاء عربي” لمخططها. فمشروع القرار يدعو إلى إنشاء مجلس للسلام يرأسه ترامب نفسه، للإشراف على حكومة انتقالية في غزة، وتفويض قوة استقرار دولية تتولى الأمن ونزع السلاح، ضمن خطة مكونة من عشرين بندًا.
الولايات المتحدة تسوق هذا التحرك باعتباره لحظة تاريخية لإنهاء “عقود من القتل” وتحقيق “رؤية سلام دائم في الشرق الأوسط”، وفقًا لتصريحات المتحدث الأمريكي. لكن خلف الخطاب الدبلوماسي، تتبدى حقائق أكثر تعقيدًا، حيث تسعى إدارة ترامب إلى استخدام أزمة “أنفاق غزة” لتطبيق نموذج عملي لنزع سلاح حماس. فالمقاتلون العالقون في الأنفاق الواقعة تحت سيطرة القوات الإسرائيلية باتوا ورقة ضغط بيد واشنطن لتجريب وصفة جديدة: سلاح مقابل عفو، واستسلام مقابل ممر آمن.
المفاوضات بين الأطراف لم تخلُ من التناقضات. فإسرائيل تنظر بعين الريبة إلى أي صيغة تسمح لمقاتلي حماس بالإفلات من العقاب، وترى أن من تورط في القتل لا يستحق العفو، فيما تحاول إدارة ترامب إقناعها بأن نجاح هذه التجربة التكتيكية في رفح قد يفتح الباب لتطبيقها على نطاق أوسع داخل غزة. تركيا دخلت على خط الوساطة عبر رئيس استخباراتها إبراهيم قالن، الذي التقى قيادات من حماس في إسطنبول لمناقشة تفاصيل وقف إطلاق النار وآليات تنفيذ المراحل اللاحقة من الاتفاق.
في المقابل، تظل حماس حذرة في تعاملها مع المقترح الأميركي، الذي ترى فيه محاولة لتفكيك بنيتها العسكرية تحت غطاء إنساني. أما إسرائيل، فهي تمارس سياسة “اليد الممدودة بالعقاب”، إذ تشترط استعادة جثمان الضابط هدار غولدن قبل أي خطوة ميدانية. وبين هذا وذاك، تتحرك واشنطن بثقة مفرطة، واضعة نفسها مرة أخرى في موقع “المخلّص” الذي يرسم حدود الأمن والسلام وفق أجندتها الخاصة.
من زاوية تحليلية، تبدو الخطة الأميركية أقرب إلى إعادة إنتاج لسياسات التدخل التي خبرتها المنطقة خلال العقدين الأخيرين، حيث يُستخدم مفهوم السلام لتبرير السيطرة، وتُستدعى الأمم المتحدة لتزكية ترتيبات مسبقة. وبينما تسعى واشنطن إلى فرض واقع جديد في غزة، تبقى الأسئلة الكبرى معلقة: هل يمكن فرض السلم بالسلاح؟ وهل يُمكن أن يولد سلام حقيقي في ظل اختلال موازين القوة؟
الواقع أن ما يجري اليوم في غزة ليس مجرد تفاوض حول الأنفاق، بل هو اختبار سياسي لمستقبل القضية الفلسطينية برمتها. فالخطة الأميركية، وإن بدت في ظاهرها تقنية وإنسانية، فإنها تعيد تعريف الصراع على أسس جديدة، حيث يصبح الأمن هو البوابة التي تمر منها كل الحلول، وتُختزل السياسة في معادلة “نزع السلاح مقابل البقاء”.
إن المشهد برمته يشي بتحول نوعي في مقاربة الولايات المتحدة لقضية غزة، من وسيط تقليدي إلى طرف فاعل يرسم المسار ويفرض الإيقاع. غير أن هذا “السلام الأميركي” الموعود يظل مشوبًا بالشكوك، ما دام لا يقوم على العدالة ولا يعالج جذور الصراع، بل يكرس واقع الهيمنة ويعيد إنتاج معادلات القوة القديمة في ثوب جديد.
مقالات ذات صلة
هل أسقط المغرب رهان الانتظار الأممي وانتقل إلى مرحلة صناعة الحل النهائي للصحراء المغربية؟
أربعة ملايين سنتيم للسكن القروي.. هل تنجح الحكومة في تحويل الوعد إلى حقائق على الأرض؟
نبض الصحراء، ملحمة سيادة لا تريم
الصحراء المغربية .. انتهى زمن إدارة النزاع وبدأ زمن فرض المعادلات
مونديال 2030.. زيارة «فيفا» تضع الحكومة الجديدة أمام اختبار الجاهزية، والمغرب مطالب بتحويل الطموح إلى إنجاز


Comments ( 0 )