إغلاق واشنطن يكشف تصدّع الديمقراطيين وصعود براغماتية ترامب السياسية

المحور الصحفي // اليزيد الفحل

يبدو أن معركة الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة لم تكن مجرد صراعٍ على بنود مالية أو خلافات حزبية حول التأمين الصحي، بل تحولت إلى اختبارٍ حقيقي لقوة التماسك داخل الحزب الديمقراطي وقدرته على الصمود أمام ضغطٍ سياسي وإعلامي متصاعد من البيت الأبيض. فبعد أربعين يومًا من الشلل الحكومي الأطول في تاريخ البلاد، استطاع الجمهوريون اختراق الجبهة الديمقراطية بمهارةٍ سياسية، مدفوعين بضغطٍ شعبي متنامٍ واستراتيجية براغماتية اعتمدها الرئيس دونالد ترامب تقوم على الإطالة والتصعيد حتى الإنهاك.

انشقاق عددٍ من الديمقراطيين عن صفّهم في مجلس الشيوخ كان لحظةً فارقة. فقد صوّتوا لصالح إعادة فتح الحكومة، في تحدٍ واضحٍ لزعيمهم تشاك شومر الذي حاول طوال الأزمة الحفاظ على وحدة الكتلة الزرقاء. غير أن طول أمد الإغلاق وتزايد الغضب الشعبي أضعف الموقف الديمقراطي، وأجبر بعض المعتدلين داخل الحزب على البحث عن تسوية بأي ثمن. هذا الانشقاق لم يكن مجرد حدثٍ عابر، بل مؤشّر على أزمةٍ داخلية أعمق تهز الحزب في مرحلةٍ حرجة تسبق انتخاباتٍ مصيرية.

ورغم أن التصويت الأخير لا يعني نهاية الإغلاق فعليًا، فقد فتح الباب أمام مجلس الشيوخ لمناقشة مشروع الإنفاق، في انتظار عودة مجلس النواب من إجازته الطويلة. غير أن المعركة السياسية تجاوزت حدود الإجراء التشريعي، لتتحول إلى معركة رمزية حول من يتحمل مسؤولية شلل الدولة، ومن يملك القدرة على إدارة الأزمات بواقعيةٍ أكثر من الشعارات.

في هذا السياق، استطاع ترامب أن يقلب المعادلة لصالحه. فقد جعل من الإغلاق وسيلة ضغطٍ ممنهجة على خصومه، لا عبئًا سياسيًا كما توقع كثيرون. فكل أسبوعٍ من الإغلاق كان يزيد من معاناة الأمريكيين، من الموظفين الفدراليين الذين لم يتقاضوا رواتبهم، إلى العائلات التي فقدت إعانات الغذاء، إلى المسافرين العالقين بسبب شلل الطيران. لكن بدلاً من أن يضعف موقفه، استثمر ترامب هذا الواقع ليُظهر الحزب الديمقراطي بمظهر من يعطل الدولة لأجل مكاسب حزبية ضيقة.

وفي حين أظهرت استطلاعات الرأي تحميل الجمهوريين النصيب الأكبر من المسؤولية، إلا أن المشهد الشعبي تغيّر تدريجيًا. فقد بدأ بعض الأمريكيين، تحت وطأة الأزمة، يطالبون بإنهاء الإغلاق بأي شكل، وهو ما استغله ترامب لتصوير نفسه “رجل الدولة العملي” الذي يسعى لحل الأزمة بينما ينغمس خصومه في المزايدات.

أما الديمقراطيون، فرغم أنهم تمكّنوا من انتزاع بعض المكاسب الرمزية — مثل ضمان عودة الموظفين المفصولين مؤقتًا ودفع رواتبهم المتأخرة — إلا أنهم خسروا المعركة الأهم: ملف الرعاية الصحية الذي أرادوا فرضه كبندٍ تفاوضي رئيسي. لقد فشلوا في تحويل الضغط الشعبي إلى رافعةٍ سياسية مؤثرة، واكتفوا بوعودٍ غامضة تتعلق بمناقشة إعفاءاتٍ ضريبية لاحقًا، ما كشف هشاشة استراتيجيتهم التشريعية أمام صلابة الخطاب الجمهوري.

ويبدو أن الديمقراطيين يعوّلون الآن على الزمن. فمع ارتفاع أقساط التأمين الصحي وتزايد السخط الشعبي من تكاليف العلاج، يأملون أن يتحوّل الغضب العام لاحقًا ضد الجمهوريين، الذين سيُتهمون بعرقلة إصلاحاتٍ تخفف عبء المعيشة. غير أن هذه المراهنة على المزاج الشعبي دون خطةٍ تشريعية واضحة قد تكون مخاطرة سياسية، خاصة في ظل تناقص الثقة العامة بالمؤسسات الحزبية.

في المقابل، أظهر ترامب مرةً أخرى أنه يعرف كيف يضغط على خصومه من خلال الأزمات. لقد استخدم الإغلاق كاختبارٍ سياسي للصلابة، مفضّلًا المواجهة المفتوحة على الحلول الوسط. تجاهل دعوات الديمقراطيين للحوار، لم يزر الكونغرس، ولم يقدّم تنازلاتٍ حقيقية، بل ترك خصومه يواجهون التآكل البطيء أمام الرأي العام. إنها سياسة تقوم على مبدأ “من يتعب أولاً يخسر”، ويبدو أن الديمقراطيين هم من تعبوا هذه المرة.

ما بعد الإغلاق لن يكون كما قبله. فالمعركة كشفت حدود التماسك داخل الحزب الديمقراطي، وأظهرت أن “البيت الأزرق” ليس كتلة واحدة، بل مزيج من الجناح التقدمي المتمسك بالمبادئ والجناح المعتدل الذي يخشى خسارة الأصوات المستقلة. أما الجمهوريون، فقد أظهروا للمرة الأولى منذ سنوات قدرة على توحيد الصف خلف قيادة ترامب، ولو تكتيكيًا، في مواجهة خصمٍ مشتت.

إن الأزمة الأمريكية الأخيرة ليست مجرد مشهد من شللٍ إداري، بل مرآة تعكس أزمة الديمقراطية التمثيلية نفسها في بلدٍ يفترض أنه النموذج الأعلى لها. فحين يصبح الإغلاق الحكومي وسيلة تفاوض، والرعاية الصحية ورقة ابتزاز سياسي، يدرك الأمريكيون أن الخلاف لم يعد حول السياسات، بل حول من يحتكر رواية “الشرعية الشعبية”.

وفي هذا المشهد، يخرج ترامب منتصرًا سياسيًا، حتى وإن خسر بعض النقاط في استطلاعات الرأي، لأنه أثبت أن منطق القوة والضغط لا يزال يُجدي في زمن الانقسام، بينما يخرج الديمقراطيون بمكاسب محدودة وخسارة معنوية كبيرة، في انتظار جولة جديدة قد تكون أكثر كلفة… وربما أكثر وضوحًا في كشف موازين القوة الحقيقية داخل واشنطن.

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment