أوكرانيا بين المطرقة الأمريكية والسندان الأوروبي: أي مستقبل للسيادة في مفاوضات السلام؟

المحور الصحفي // اليزيد الفحل

تتصاعد التوترات الدولية على وقع خطة السلام الأمريكية المكونة من 28 نقطة، التي يقترحها البيت الأبيض لإنهاء الحرب في أوكرانيا، لتضع كييف بين نارين: إما التنازل عن أجزاء واسعة من أراضيها، أو المخاطرة بفقدان دعم حليفها الأهم، الولايات المتحدة. ما يثير القلق ليس مجرد تناقض المواقف، بل السياق الذي يحيط بالمفاوضات، حيث يظهر تضارب واضح بين رؤية واشنطن التي تسعى لإنجاز اتفاق سريع، ورغبة أوروبا في حماية السيادة الأوكرانية وعدم المساس بقوة الجيش وحقوق الأراضي.

القادة الأوروبيون، من فرنسا إلى ألمانيا وبريطانيا، أكدوا أن الخطة الأمريكية مجرد “مسودة أولية” بحاجة إلى تعديلات كبيرة، خاصة فيما يتعلق بتقليص حجم الجيش الأوكراني والتنازل عن الأراضي، وهي عناصر تعتبر بالنسبة لهم غير مقبولة، وتشكل خطرًا على الأمن الأوروبي وأمن حلف شمال الأطلسي. التحذيرات الأوروبية ليست مجرد تحفظ شكلي، بل انعكاس لقلق متزايد من احتمال فرض تنازلات استراتيجية على أوكرانيا، قد تهز موازين القوة في المنطقة لعقود.

في الجانب الأوكراني، يبدو زيلينسكي أمام معضلة وجودية: إما الحفاظ على كرامة الدولة وسيادتها، أو مواجهة فقدان الدعم الأمريكي الحيوي الذي مازال يُنظر إليه باعتباره الضمان الأقوى أمام التهديدات الروسية المستمرة. تصريحات الرئيس الأوكراني الأخيرة تكشف عن إدراكه للمخاطر الجسيمة، حيث يشير إلى أن بلاده “بين نارين”، مؤكدًا على أنه لن يوقع اتفاقًا يؤدي إلى انهيار قدرة بلاده الدفاعية أو التنازل عن أراضٍ جوهرية.

القضية لا تتوقف عند السيادة العسكرية أو الجغرافية، بل تمتد لتشمل الملف الاقتصادي، حيث يتصارع الأوروبيون والأمريكيون على مصير الأصول الروسية المجمدة التي تبلغ نحو 140 مليار يورو. الخطة الأمريكية تقترح إنشاء صندوقين، لأوكرانيا وروسيا، مع استفادة الولايات المتحدة اقتصاديًا، بينما يتحمل الاتحاد الأوروبي نحو 100 مليار يورو لإعادة إعمار البلاد. هذه الآلية، إذا ما تم تنفيذها، قد تُحوّل الأصول المجمدة من أداة ضغط إلى أداة لإعادة التمويل، لكنها تحمل أيضًا احتمال صدام مصالح بين واشنطن وأوروبا.

المخاوف الأوروبية تتصل أيضًا بمستقبل الجيش الأوكراني. أي خفض لعدد القوات من نحو 900 ألف إلى 600 ألف جندي، كما تقترح الخطة الأمريكية، يُنظر إليه في بروكسل وكييف على أنه تهديد مباشر لقدرة أوكرانيا على الردع الدفاعي، وهو ما يتعارض مع السياسة الأوروبية التي ترى في تعزيز القوات المسلحة واستعدادها لمواجهة أي عدوان محتمل أولوية استراتيجية.

في المشهد الراهن، يبدو أن الساعة قد أصبحت “الأصعب” بالنسبة لأوكرانيا: ضغط أمريكي لإنجاز اتفاق سريع، تحفظ أوروبي صارم على السيادة والجيش، وخيارات محدودة للرئيس زيلينسكي الذي يُحاول التوازن بين كرامة بلاده وحاجة الدعم الدولي. هذه اللحظة الحاسمة قد تحدد ليس فقط مستقبل الحرب، بل مستقبل الدولة الأوكرانية في مواجهة الضغوط الجيوسياسية، وتعيد طرح السؤال القديم: هل يمكن التوصل إلى سلام يضمن السيادة دون إضعاف الدولة، أم أن أوكرانيا ستضطر لمساومة كرامتها مقابل الأمن والدعم؟

في النهاية، يظل التحدي أمام كييف هو صياغة موقف موحد وراسخ، يجمع بين حماية مصالحها الوطنية والقدرة على التفاوض مع قوى عظمى ذات أجندات متباينة، مع ضرورة الانتباه إلى أن أي اتفاق مستعجل قد يصبح لاحقًا مصدراً للصراعات الجديدة، ليس فقط مع موسكو، بل مع شركائها الغربيين أنفسهم.

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment