الوعي الجماعي للفلاحين: قوة لا يستهان بها في مواجهة الفساد السياسي

المحور الصحفي // اليزيد الفحل
قد يصعب توقيف الوعي الجماعي لأي جماعة معيشية حين يتعلق الأمر بحقوقها الأساسية. فالفلاح الصغير، الذي يرى الضرر يلحق بأرضه أو بحياته، لا يشارك في السياسة من منطلق الانتماء الحزبي فحسب، بل من منطلق مسألة حياة أو موت. وفي منطقة الويدان، حيث يهيمن النشاط الفلاحي على الاقتصاد المحلي أكثر من السياحة وغيرها من القطاعات، يمكن ملاحظة هذا الوعي بشكل واضح، رغم أن مشاركته السياسية لم تثمر غالبًا سوى تجارب مريرة و”شوكة” في طريق التغيير.
عقلية القطيع في الممارسة السياسية، كما يشير الواقع، نادرًا ما تتمرد على القيادة، إلا حين تصاب بحمى الفساد. عندها، يتحول الفعل الجماعي إلى قيادة جماعية واعية، تكسر الفكر البراغماتي والوصولي، وترفض الانحناء أمام الانتهازية. هذه اللحظة الحرجة هي التي يصنع فيها المواطن العادي فرقًا حقيقيًا، حين يدرك أن المطلوب وعي كامل ومسؤولية جماعية لمواجهة الفساد، وليس مجرد اتباع أعمى.
لقد حان الوقت لنفض الغبار عن التبعية العمياء، وكسر قيود القطيع، وتحمل المسؤولية بشكل كامل في اختيار القائد المناسب. فالوعي السياسي الجماعي، خصوصًا عندما تقوده نخبة من الشباب المثقف والمطلّع على مستجدات الواقع المحلي والوطني، يمثل أداة حقيقية لتفكيك السياسة النفعية، وإسقاط الانتهازية والوصولية، وإعادة الديناميات الديمقراطية إلى مسارها الصحيح.
الدرس الأبرز من تجربة الفلاحين الصغار في الويدان وغيره من المناطق الزراعية هو أن المواطن المدرك لحقوقه، والمرتبط بواقعه المعيشي، قادر على فرض إرادته على السياسة المحلية. هذا الوعي الجماعي ليس مجرد احتجاج أو شعور عابر، بل قوة متجددة قادرة على إعادة تشكيل القيادة، وتصحيح مسار المؤسسات، وحماية المجتمع من الانحرافات السياسية.
في السياق ذاته، يتحتم على الشباب أن يكونوا رابطًا بين الوعي الفردي والجماعي، وأن يعملوا على توعية المجتمع بما تعنيه المشاركة الحقيقية، وكيف يمكن تفكيك الممارسات السياسية الانتهازية والوصولية عبر الاحتكام للمعايير الديمقراطية. فالاستقلالية في التفكير والمسؤولية الفردية والجماعية هي الطريق لإعادة صياغة السياسة المحلية على أسس الشفافية والنزاهة.
المرحلة المقبلة تتطلب حشد كل الطاقات المدنية والسياسية لتحويل هذا الوعي الجماعي إلى قوة قادرة على فرض التغيير، وليس مجرد احتجاجات عابرة. فالفلاح الصغير والشباب معًا قادرون على كسر القيود القديمة، وإعادة الاعتبار للسياسة كأداة خدمة عامة، وليس مجرد وسيلة لمصالح شخصية أو حزبية.
إن المعركة ضد الفساد تبدأ من أرض الواقع، ومن وعي كل فرد في الجماعة، وليس من شعارات جوفاء أو انتخابات شكلية. الفلاح الصغير، حين يقف بوعي كامل، يصبح أكثر من مجرد جزء من القطيع؛ يصبح قوة فاعلة في إعادة بناء السياسة على أسس الديمقراطية والعدالة والمصلحة العامة.
مقالات ذات صلة
حين يصبح “البوز” بديلاً عن المهنية… من يحمي هيبة الصحافة في الندوات الرسمية؟
حين يصبح الجسد سلعة رقمية… هل انتصر الإنترنت على الضمير أم عجز المجتمع عن مواكبة العصر؟
مستشفى شريفة.. عندما يتحول الحق في العلاج إلى معاناة يومية لساكنة سيدي يوسف بن علي
متى تتخلص بلادنا من مخدر “السيليسيون” القاتل الذي يفتك بالشباب؟
مراكش بين بريق السياحة وشبح التشرد.. إلى متى يستمر الصمت؟


Comments ( 0 )