المعادن النادرة من وقود القرن الماضي إلى مفاتيح القوة في القرن القادم

المحور الصحفي //  هيئة التحرير

شكّل النفط طوال القرن العشرين العمود الفقري للاقتصاد العالمي، إذ غذّى المصانع ووسائل النقل والتجارة، وأسهم في رسم موازين القوة بين الدول، حتى إن التحكم في تدفقاته تحوّل في محطات عديدة إلى أداة للتأثير في التضخم والإنتاج الصناعي، بل وفي مسارات الحروب. ورغم كل التحولات، ما تزال أسعار النفط قادرة على إرباك الاقتصادات وإشعال الضغوط التضخمية وتعقيد قرارات البنوك المركزية، بينما يظل أمن الطاقة هاجسا دائماً للحكومات، خاصة في فترات التوتر الجيوسياسي.

غير أن ملامح القوة العالمية بدأت تتغير. فمع تسارع كهربة الاقتصادات وتغلغل التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي في مختلف قطاعات الإنتاج، يبرز مورد آخر بوصفه عنصرا حاسما في معادلات النفوذ، ويتعلق الأمر بالمعادن والعناصر الأرضية النادرة. وقد بدا تصريح الزعيم الصيني الراحل دينغ شياو بينغ، حين قال إن “الشرق الأوسط لديه النفط، والصين لديها العناصر الأرضية النادرة”، وكأنه استشراف مبكر لتحول عميق تشهده منظومة الاقتصاد العالمي اليوم.

ورغم أن دور النفط لم ينته بعد، إذ لا يزال الاستهلاك العالمي يتجاوز مئة مليون برميل يوميا، وتشير التوقعات إلى استمرار الطلب عليه حتى ثلاثينيات هذا القرن، فإن أسواقه تتميز بالمرونة وقابلية التكيف، بفضل إمكانية نقله وتخزينه وتداوله بسهولة نسبية. في المقابل، تحتل العناصر الأرضية النادرة موقعا مختلفا تماما، فهي لا تُستخدم كمصدر مباشر للطاقة، بل تُدمج في صلب التقنيات الحديثة التي تقوم عليها الكهربة والأتمتة والبنية التحتية الرقمية.

وتُعد المغناطيسات الدائمة المصنوعة من هذه العناصر مكونا أساسيا في محركات السيارات الكهربائية، وتوربينات الرياح، والروبوتات، وأنظمة الطيران والفضاء، فضلا عن المعدات العسكرية المتقدمة ومراكز البيانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وتشير معطيات عرضت في مؤتمر متخصص عقد في تورونتو عام 2025 إلى أن الطلب العالمي على مغناطيس النيوديميوم مرشح للنمو بمعدل سنوي يقارب 9 في المئة حتى عام 2035، مدفوعا أساسا بتوسع السيارات الكهربائية والروبوتات، مقابل تباطؤ واضح في نمو الطلب على النفط.

في المقابل، يواجه هذا الطلب المتسارع اختناقات حادة في العرض، خصوصا في أوروبا التي تكاد تفتقر إلى قدرات محلية في التعدين أو المعالجة. وتبرز الصين هنا باعتبارها اللاعب المهيمن، إذ تسيطر على النسبة الأكبر من إنتاج أكاسيد العناصر الأرضية النادرة، وعلى ما يقارب 90 في المئة من صناعة المغناطيسات، إضافة إلى هيمنة شبه كاملة على قدرات المعالجة والتكرير، وهي الحلقة الأكثر تعقيدا وحساسية في سلسلة التوريد.

وقد كشفت القيود التي فرضتها بكين على صادرات بعض هذه العناصر في أبريل 2025 حجم هذه الهشاشة البنيوية، حيث باتت التراخيص والإفصاح عن الاستخدام النهائي شرطا أساسيا للتصدير. ويذهب عدد من الباحثين الاقتصاديين إلى أن هذا الواقع يعكس تحولا في طبيعة القوة، من السيطرة على الموارد الخام إلى التحكم في الاختناقات الصناعية والتقنية.

وفي هذا السياق، يرى محللون أن ما يسمى بـ“الذكاء الاصطناعي المادي” يعيد الاعتبار للمواد الخام الاستراتيجية، إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد برمجيات ومراكز بيانات، بل منظومة متكاملة تشمل الروبوتات والمستشعرات والمحركات والبطاريات وأنظمة الطاقة، وكلها تعتمد بشكل مباشر على عناصر نادرة تهيمن الصين على سلاسل إمدادها.

ورغم تسابق الولايات المتحدة وأوروبا لبناء بنية تحتية متقدمة للذكاء الاصطناعي وإزالة الكربون، فإن اعتمادهما البنيوي على القدرات الصينية في المعالجة والتصنيع يطرح تحديا استراتيجيا يصعب تجاوزه في المدى القصير. فالفجوة لا تتعلق فقط بالموارد، بل بالخبرة الصناعية والتكامل التقني والزمن اللازم لبناء بدائل حقيقية.

في المحصلة، ورغم أن النفط سيظل مؤثرا في الحاضر وفي حسابات التضخم والتجارة العالمية، فإن ملامح المستقبل الصناعي تتشكل على نحو متزايد حول المعادن النادرة. ففي عالم تحكمه الأتمتة والكهربة والذكاء الاصطناعي، لم تعد الهيمنة رهينة السيطرة على الوقود فحسب، بل أصبحت مرتبطة بالقدرة على التحكم في الاختناقات الاستراتيجية التي تحدد من يستطيع بناء المستقبل ومن يظل تابعا له.

 

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment