خبز النخالة يثير جدلا واسعا في تونس بين الصحة والاقتصاد وذاكرة الخبز الحساسة

المحور الصحفي // ايمان لعقاق 

يتصاعد الجدل في تونس حول ما يُعرف بـ“خبز النخالة”، في ظل انتشار معلومات غير مؤكدة تفيد بأن هذا النوع من الخبز مخصص في الأصل لتغذية الحيوانات، وهو ما زاد من حدة النقاش العام وسط غياب أي توضيح رسمي ينفي أو يؤكد هذه الروايات.

ويأتي هذا الجدل في وقت يتصدر فيه “خبز النخالة” واجهة النقاش داخل المخابز وفي الشارع وعلى منصات التواصل الاجتماعي، مع حديث متزايد عن إمكانية اعتماده بديلا عن خبز “الباغيت” التقليدي الذي ظل لسنوات طويلة جزءا أساسيا من النظام الغذائي اليومي للتونسيين، في سياق يتسم بالحساسية الشديدة لموضوع الخبز الذي يرتبط بالذاكرة الجماعية والبعد الاجتماعي والمعيشي.

وفي هذا الإطار، تشير بيانات رسمية إلى أن تونس تنتج حوالي 7 ملايين رغيف يوميا، مع استهلاك سنوي يقارب 650 ألف طن من الدقيق، ما يعكس حجم الرهان المرتبط بمنظومة الخبز المدعم وأهميتها في الاستقرار الاجتماعي.

وقد تعمق النقاش بعد صدور قرار مشترك عن وزيري الفلاحة والتجارة بتاريخ 2 أبريل 2026، يقضي بإعادة تنظيم منظومة إنتاج الدقيق والسميد، بما يمهد لاعتماد خبز مدعم غني بالألياف يعرف محليا بخبز النخالة، وهو ما فتح باب التأويلات بين من يعتبره إصلاحا صحيا، ومن يراه مدخلا لإعادة هيكلة منظومة الدعم تحت ضغط الأزمة الاقتصادية.

وينص القرار على توحيد أصناف السميد المستخرج من القمح الصلب، واعتماد أنواع محددة من الدقيق للخبز والحلويات بنسب استخراج مضبوطة، في خطوة تعتبرها السلطات جزءا من تحسين الجودة وترشيد الاستهلاك، بينما يراها منتقدون تحولا تدريجيا في سياسات الدعم.

وفي هذا السياق، يرى عدد من الخبراء أن الترويج لخبز النخالة كخيار صحي قد يخفي خلفه أبعادا اقتصادية مرتبطة بإصلاحات أوسع، خاصة في ظل التوجه نحو تقليص النفقات العمومية وتوجيه الدعم بشكل أكثر انتقائية، تحت تأثير الأزمة المالية وتوصيات مؤسسات دولية.

كما يحذر هؤلاء من أن أي تغيير في طبيعة الخبز المدعم قد يثير حساسية اجتماعية كبيرة، نظرا لارتباط الخبز في تونس بذاكرة احتجاجية قوية، تعود إلى انتفاضة 1984 بعد رفع أسعار الخبز، والتي تحولت إلى أحد أبرز أحداث الاضطراب الاجتماعي في تاريخ البلاد.

في المقابل، يؤكد مختصون في التغذية أن الخبز الغني بالألياف قد يحمل فوائد صحية، غير أنهم يشددون على ضرورة ضمان الأمن الغذائي وعدم المساس بقدرة المواطنين على الحصول على غذاء متوازن وبأسعار مناسبة، مع التأكيد على أن أي إصلاح غذائي يجب أن يكون جزءا من سياسة شاملة وشفافة.

كما تشير تحذيرات علمية إلى أن بعض أنواع خبز النخالة قد لا تكون مفيدة كما يُعتقد إذا لم تُصنع من حبوب كاملة، وقد ترتبط بآثار صحية سلبية في حال احتوائها على نسب مرتفعة من السكر أو الصوديوم أو إضافات صناعية، إضافة إلى تأثيرها المحتمل على بعض الفئات الصحية الخاصة.

وبين الجدل الصحي والاقتصادي والرمزي، يظل الخبز في تونس أكثر من مجرد مادة غذائية، بل ملفا شديد الحساسية يعكس تداخل السياسة بالمعيش اليومي، ويختبر باستمرار حدود التوازن بين الإصلاح والاستقرار الاجتماعي.

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment