صعود الصفحات الفيسبوكية وإعادة تشكيل المشهد الإعلامي بين الفوضى الرقمية وتحديات المهنية

المحور الصحفي // اليزيد الفحل
يشهد المشهد الإعلامي خلال السنوات الأخيرة تحوّلاً عميقاً أعاد طرح أسئلة جوهرية حول معنى الصحافة وحدودها وأدوارها داخل المجتمع، في ظل صعود صفحات على شبكات التواصل الاجتماعي، خاصة “فيسبوك”، التي تحولت تدريجياً من فضاءات للنشر الفردي إلى منصات شبه إعلامية تشتغل بمنطق السرعة والتأثير أكثر من منطق المهنية والتحقق.
هذا التحول لم يمر دون تداعيات واضحة على المجال الصحفي التقليدي، إذ باتت العديد من هذه الصفحات تتعامل مع الخبر باعتباره مادة قابلة للنشر الفوري دون المرور عبر مساطر التثبت أو الاعتماد على مصادر موثوقة أو احترام قواعد المسؤولية المهنية. ومع تزايد الاعتماد على المحتوى السريع، تراجعت في أحيان كثيرة قيمة التدقيق لصالح “السبق الرقمي”، حتى وإن كان ذلك على حساب الدقة والموضوعية.
الأخطر في هذا المشهد ليس فقط سرعة النشر، بل غياب أي إطار واضح يحدد المسؤولية القانونية والأخلاقية لهذه الصفحات التي تشتغل عملياً كأنها مؤسسات إعلامية مكتملة، دون أن تخضع في الغالب لنفس شروط التنظيم أو المساءلة التي تخضع لها المقاولات الصحفية المهنية. هذا الوضع خلق منطقة رمادية يتداخل فيها الإعلامي بالناشر الفردي، والخبر بالانطباع، والتحليل بالشائعة.
وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن هذه الصفحات نجحت في فرض حضورها داخل الفضاء العمومي، وأصبحت تواكب الأحداث المحلية بسرعة لافتة، بل وأحياناً تتقدم الصفوف الأولى في تغطية الوقائع الميدانية، بما في ذلك الأحداث المرتبطة بتدخلات السلطات أو الوقفات الاحتجاجية أو الحوادث الطارئة. هذا الحضور الميداني منحها نوعاً من “الشرعية الاجتماعية” لدى فئات واسعة من المتابعين، الذين باتوا يستهلكون الخبر عبر الهاتف قبل أن يصل إلى القنوات الإعلامية التقليدية.
غير أن هذا التقدم السريع يطرح إشكالاً مهنياً حقيقياً: كيف يمكن التوفيق بين حرية النشر في الفضاء الرقمي وبين ضرورة احترام قواعد المهنة؟ وهل يكفي الحضور الميداني أو كثافة المتابعة لمنح صفة “الإعلام” لمحتوى قد يفتقر في أحيان كثيرة إلى التحقق والتوازن؟
في ظل هذا الواقع، يجد الصحفي المهني نفسه أمام منافسة غير متكافئة، حيث تشتغل المؤسسات الصحفية ضمن ضوابط قانونية وأخلاقية واضحة، بينما تتحرك بعض الصفحات الرقمية في مساحة واسعة من الحرية غير المقيدة، ما يخلق اختلالاً في ميزان المنافسة وفي جودة المحتوى الإعلامي الموجه للجمهور.
إن الإشكال لا يتعلق برفض التطور الرقمي أو إنكار دور المنصات الاجتماعية في نقل الخبر، بل يرتبط أساساً بالحاجة إلى إعادة تعريف المسؤولية الإعلامية في العصر الرقمي، بما يضمن حماية حق الجمهور في المعلومة الدقيقة، ويصون في الوقت نفسه جوهر العمل الصحفي كخدمة عمومية قائمة على التحقق والمهنية وليس فقط على الانتشار والسرعة.
وفي سياق هذا التداخل المتسارع، يبرز عنصر آخر لا يقل خطورة، يتمثل في إعادة تشكيل علاقة الجمهور بالخبر. فالمتلقي اليوم لم يعد يميز بسهولة بين ما هو صحفي مهني قائم على التحقق، وما هو محتوى رقمي سريع يخضع لمنطق التفاعل والانتشار. هذا الضباب المعلوماتي يفتح الباب أمام تضخيم بعض الأحداث أو تأويلها خارج سياقها، بما يخلق أحياناً رأياً عاماً مبنياً على معطيات غير مكتملة أو غير دقيقة.
كما أن منطق “الترند” أصبح موجهاً رئيسياً في تحديد ما يستحق النشر وما يتم تجاهله، وهو ما يدفع بعض الصفحات إلى المبالغة في العناوين أو اختيار الزاوية الأكثر إثارة على حساب الزاوية الأكثر دقة. وفي ظل هذا الواقع، تتراجع قيمة السياق لصالح اللحظة، ويتحول الخبر من مادة للتأمل والفهم إلى منتوج استهلاكي سريع الزوال.
من جهة أخرى، يطرح هذا التحول سؤالاً حساساً حول الحدود الفاصلة بين حرية التعبير والفوضى الإعلامية. فبينما يضمن الفضاء الرقمي مساحة واسعة للنشر والمشاركة، إلا أن غياب آليات ضبط واضحة يفتح المجال أمام ممارسات قد تمس بسمعة الأفراد أو المؤسسات دون تحقق كافٍ، وهو ما يطرح تحديات قانونية وأخلاقية متزايدة أمام الجهات المعنية.
وفي ظل هذا الوضع، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة التفكير في مفهوم “الإعلام المحلي” على وجه الخصوص، حيث أصبحت بعض الصفحات الرقمية تلعب دور “الناقل الأول” للأحداث في المدن، لكنها في الوقت نفسه تشتغل خارج أي إطار تنظيمي واضح، ما يضعها في منطقة وسطى بين الهواية والمهنة، وبين التأثير والمسؤولية.
كما أن الحضور الميداني المكثف لبعض هذه الصفحات، خاصة أمام المؤسسات العمومية أو أثناء التدخلات الأمنية أو التظاهرات، يطرح بدوره تساؤلات حول طبيعة التغطية وحدودها، وهل يتعلق الأمر بنقل مهني للحدث أم بمجرد توثيق رقمي مفتوح يخضع لاجتهادات فردية.
وفي مقابل هذا المشهد المتحول، يبقى الرهان الحقيقي اليوم هو بناء بيئة إعلامية قادرة على استيعاب التحول الرقمي دون أن تفقد ضوابطها المهنية، عبر تعزيز ثقافة التحقق، وتشجيع المسؤولية في النشر، وإعادة الاعتبار لدور الصحافة المهنية كمرجع أساسي في صناعة الخبر وتفسيره.
وبين هذا وذاك، يبقى السؤال مفتوحاً حول مستقبل الصحافة في ظل هذا التداخل المتزايد بين الإعلام المهني والإعلام الرقمي غير المنظم، وحول ما إذا كان بالإمكان بناء نموذج يوازن بين حرية النشر ومتطلبات المسؤولية، دون أن يفقد الخبر قيمته الأساسية: الحقيقة.
مقالات ذات صلة
حين يصبح الجسد سلعة رقمية… هل انتصر الإنترنت على الضمير أم عجز المجتمع عن مواكبة العصر؟
مستشفى شريفة.. عندما يتحول الحق في العلاج إلى معاناة يومية لساكنة سيدي يوسف بن علي
متى تتخلص بلادنا من مخدر “السيليسيون” القاتل الذي يفتك بالشباب؟
مراكش بين بريق السياحة وشبح التشرد.. إلى متى يستمر الصمت؟
أزمة النقل الحضري بمكناس.. عندما يدفع المواطن ثمن اختلالات التدبير


Comments ( 0 )