الصحراء المغربية بين رهانات التسوية وحسابات الجوار.. الموانئ والحدود تعيد رسم التوازنات الإقليمية

المحور الصحفي // اليزيد الفحل

لم تعد التحركات الدبلوماسية المرتبطة بتسوية نزاع الصحراء المغربية تقتصر على تبادل المواقف السياسية بين الأطراف المعنية، بل باتت تتقاطع مع حسابات اقتصادية واستراتيجية أوسع، تشمل الموانئ الأطلسية، وترسيم الحدود، والممرات التجارية، والتنافس على النفوذ في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل. وبينما تسعى إسبانيا إلى حماية مصالحها البحرية والتجارية، تركز موريتانيا على استقرار محيطها الحدودي وتعزيز موقعها الاقتصادي، في حين تواصل الجزائر رفض مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، بما يجعل مستقبل الإقليم جزءا من معادلة إقليمية متعددة الأبعاد.

وتتزايد أهمية هذه الملفات في ظل استمرار المسار الأممي الرامي إلى التوصل إلى حل سياسي للنزاع، وما يرافقه من نقاشات بشأن تنفيذ قرارات مجلس الأمن ومستقبل العملية التفاوضية. وفي هذا السياق، تبرز المصالح الاقتصادية باعتبارها عاملا مؤثرا في حسابات دول الجوار، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود ارتباط مباشر أو صفقات سياسية مؤكدة بين مواقفها الدبلوماسية ومشاريعها الاستراتيجية.

تقدم إسبانيا نموذجا واضحا لتداخل السياسة الخارجية بالمصالح الاقتصادية، إذ أعلنت حكومة بيدرو سانشيز سنة 2022 دعمها مبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها أساسا جديا وواقعيا لتسوية النزاع، غير أن هذا التوجه لم ينه الجدل داخل الساحة السياسية الإسبانية، حيث لا تزال أطراف حزبية وبرلمانية تدعو إلى مراجعة موقف مدريد والعودة إلى ما تصفه بالحياد التقليدي.

ويعكس استمرار هذا الخلاف تباين الرؤى داخل إسبانيا بشأن تدبير ملف الصحراء، في وقت تحاول فيه الحكومة الموازنة بين علاقاتها مع المغرب، ومصالحها الاقتصادية والأمنية، والاعتبارات السياسية الداخلية.

وبالتوازي مع هذا النقاش، يثير مشروع ميناء الداخلة الأطلسي اهتماما متزايدا في جزر الكناري، بالنظر إلى ما يمكن أن يترتب عليه من تحولات في حركة الشحن والخدمات اللوجستية والتجارة البحرية بالمنطقة. وتطرح هذه المنشأة المرتقبة تساؤلات بشأن طبيعة العلاقة المستقبلية بين الموانئ المغربية ونظيرتها في الأرخبيل الإسباني، خصوصا إذا تمكنت من استقطاب استثمارات وأنشطة تجارية جديدة.

وتستحضر هذه المخاوف تجربة ميناء طنجة المتوسط، الذي عزز موقع المغرب ضمن شبكات النقل البحري الدولية ورفع مستوى المنافسة في بعض الأنشطة المينائية بالمنطقة. ومع ذلك، فإن المقارنة بين طنجة المتوسط وميناء الداخلة تظل مرتبطة باختلاف الموقع الجغرافي والأسواق المستهدفة وطبيعة الخدمات، ولا يمكن اعتبار المنافسة بينهما أمرا محسوما قبل اتضاح القدرات التشغيلية للمشروع الجديد.

كما تتقاطع العلاقات المغربية الإسبانية مع ملفات أخرى، من بينها المجالات البحرية المقابلة لجزر الكناري، والنقاش بشأن الموارد الطبيعية في المحيط الأطلسي، فضلا عن قضايا سبتة ومليلية. وتندرج هذه الملفات ضمن سياق استراتيجي أوسع، غير أن الربط بينها وبين موقف مدريد من مبادرة الحكم الذاتي يحتاج إلى أدلة واضحة، ولا يكفي تزامن المصالح أو المشاريع لإثبات وجود مقايضة سياسية.

بالنسبة إلى موريتانيا، تكتسي تسوية نزاع الصحراء أهمية خاصة بسبب موقعها الجغرافي ومصالحها التجارية والأمنية في المناطق الشمالية، فضلا عن ارتباطها بالممرات البرية والبحرية التي تصل المغرب بمنطقة الساحل وإفريقيا جنوب الصحراء.

وتحرص نواكشوط على الحفاظ على موقفها المعلن القائم على الحياد، مع متابعة أي تطورات قد تنعكس على الترتيبات الحدودية والتوازنات الإقليمية. وفي هذا الإطار، تبرز مسألة وضوح الحدود ضمن الملفات التي يمكن أن تحظى بأهمية في أي تسوية مستقبلية، باعتبارها عنصرا أساسيا لضمان الاستقرار القانوني وتفادي التأويلات المتباينة.

وقد نقلت تقارير إعلامية عن وثائق مرتبطة بالمسار الأممي أن الجانب الموريتاني أثار مسألة توضيح الحدود الدولية النهائية للإقليم خلال لقاءات مدريد المنعقدة يومي 8 و9 فبراير، إلى جانب جلسات لاحقة. ويظل التحقق من الصياغة الدقيقة لهذا الموقف رهينا بالرجوع إلى الوثيقة الأممية الأصلية، غير أن طرح المسائل الحدودية يندرج عموما ضمن الاعتبارات التي قد ترافق أي اتفاق سياسي نهائي.

وتحضر منطقة الكويرة في النقاشات المرتبطة بمستقبل الإقليم بحكم موقعها الجغرافي القريب من مدينة نواذيبو، التي تمثل أحد أهم المراكز الاقتصادية والبحرية في موريتانيا. لكن الاهتمام بتوضيح الحدود لا يعني، في حد ذاته، وجود نزاع رسمي على الأراضي الخاضعة للسيادة الموريتانية، كما لا يسمح باستنتاج موقف موريتاني غير معلن بشأن الوضع النهائي للمنطقة.

اقتصاديا، تعمل موريتانيا على تطوير بنياتها المينائية واللوجستية، بما يعزز دور نواذيبو في التجارة البحرية ويدعم موقع البلاد بوصفها حلقة وصل بين شمال إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء والمحيط الأطلسي. ويمكن لهذه المشاريع أن تفتح آفاقا للتكامل الاقتصادي مع المغرب، كما قد تخلق مجالات تنافس على الاستثمارات وحركة البضائع والخدمات، بحسب طبيعة المشاريع والأسواق التي ستستهدفها.

ومن ثم، فإن حسابات نواكشوط لا ترتبط بالحدود وحدها، بل تشمل أيضا فرص التنمية والاستثمار وتوسيع المبادلات التجارية، وهي عوامل تجعل استقرار المنطقة مصلحة استراتيجية بالنسبة إلى موريتانيا، بصرف النظر عن السيناريو النهائي الذي قد تفضي إليه المفاوضات.

في المقابل، تواصل الجزائر رفض مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وتدعم جبهة البوليساريو ومطلب تقرير المصير الذي تتبناه. ويظل هذا الخلاف أحد أبرز محددات العلاقات المغربية الجزائرية، بالنظر إلى التباين العميق بين تصور الرباط للحل السياسي وموقف الجزائر والبوليساريو من مستقبل الإقليم.

وقد انعكست تداعيات النزاع على علاقات الجزائر بعدد من شركائها الأوروبيين، خصوصا عندما أعلنت دول مواقف داعمة للمقترح المغربي. ففي يونيو 2022، علقت الجزائر معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون مع إسبانيا عقب إعلان حكومة بيدرو سانشيز دعمها مبادرة الحكم الذاتي، قبل أن تشهد العلاقات التجارية بين البلدين اضطرابات وقيودا خلال الفترة اللاحقة.

وفي يوليوز 2024، أعلنت الجزائر سحب سفيرها من فرنسا احتجاجا على الموقف الفرنسي الداعم للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، في خطوة أكدت استمرار تأثير هذا الملف على علاقاتها الخارجية.

وتبرز هذه التطورات أن الخلاف حول الصحراء يتجاوز الإطار الثنائي المغربي الجزائري، ليؤثر في شبكة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية لدول المنطقة مع شركائها الأوروبيين. وفي المقابل، يواصل المغرب تعزيز علاقاته مع الدول التي تدعم مبادرته، مستندا إلى تحرك دبلوماسي يسعى إلى توسيع نطاق التأييد الدولي للمقترح المغربي.

ومع ذلك، فإن استمرار التباين في المواقف لا يعني أن المسار السياسي وصل إلى نهايته، إذ تظل التسوية رهينة بالمفاوضات وبمدى استعداد الأطراف المعنية للتفاعل مع الجهود الأممية الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي مقبول.

قد تفتح تسوية نهائية تقوم على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الباب أمام تحولات سياسية واقتصادية في المنطقة، لكن حجم هذه التحولات وطبيعتها سيظلان مرتبطين بمضمون الاتفاق، وشروط قبوله وتنفيذه، والضمانات القانونية والمؤسساتية التي سترافقه.

سياسيا، من شأن اتفاق من هذا النوع أن يفرض على الأطراف المعنية إعادة تقييم بعض حساباتها ومواقفها، خصوصا في ما يتعلق بالعلاقات المغربية الجزائرية، ومستقبل التعاون الإقليمي، وآفاق بناء الثقة بين دول الجوار. غير أن ذلك لا يعني بالضرورة حدوث تقارب سريع أو تغيير فوري في المواقف، لأن الملفات العالقة بين الرباط والجزائر تتجاوز نزاع الصحراء لتشمل قضايا استراتيجية وأمنية أوسع.

أما اقتصاديا، فقد يسهم الاستقرار السياسي والقانوني في تحسين شروط الاستثمار وتطوير البنيات التحتية والموانئ والممرات التجارية، خاصة في الفضاء الأطلسي ومنطقة الساحل. كما يمكن أن يتيح فرصا للتكامل بين المشاريع المغربية والموريتانية والإسبانية، إذا توفرت الظروف المناسبة للتعاون وتبادل المصالح.

وفي هذا السياق، يشكل التنافس على النفوذ الاقتصادي في الساحل أحد الأبعاد المهمة للعلاقات الإقليمية، حيث تتداخل الشراكات التجارية والاستثمارات والبنيات التحتية مع التحركات الدبلوماسية. وتظل نتائج هذا التنافس مرتبطة بقدرة الدول المعنية على تحويل مشاريعها إلى فرص اقتصادية مستدامة، بدل حصر العلاقات في منطق التنافس السياسي.

تكشف مواقف إسبانيا وموريتانيا والجزائر أن مستقبل الصحراء المغربية يرتبط بمجموعة متشابكة من المصالح السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، تمتد من الحدود والموانئ إلى التجارة البحرية والتنافس على النفوذ في إفريقيا.

فإسبانيا تواجه تحدي التوفيق بين موقف حكومتها الداعم للحكم الذاتي ومصالحها الاقتصادية في الأطلسي، فيما تسعى موريتانيا إلى تثبيت الاستقرار الحدودي وتعزيز مكانة نواذيبو ضمن شبكات التجارة الإقليمية، بينما تواصل الجزائر الدفاع عن تصور مختلف لمستقبل الإقليم، في ظل خلاف مستمر مع المغرب.

وفي المحصلة، لا تتوقف أهمية أي تسوية محتملة على حسم الوضع السياسي للإقليم فحسب، بل تمتد إلى ما قد تتيحه من فرص لإعادة بناء الثقة وتطوير التعاون الاقتصادي والأمني بين دول الجوار. غير أن الانتقال من المواقف الدبلوماسية إلى واقع إقليمي جديد يظل رهينا باتفاق سياسي واضح، وترتيبات قابلة للتنفيذ، وإرادة فعلية لتدبير الخلافات بما يخدم الاستقرار والتنمية في المنطقة.

 

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment