موريتانيا على وقع جدل لغوي بعد إلزام المراسلات الإدارية بالعربية بين مقتضيات الدستور ومطالب التعدد اللغوي

المحور الصحفي // هيئة التحرير
أثار قرار وزير الثقافة الموريتاني والناطق الرسمي باسم الحكومة، محمد ولد ببانه، إلزام مسؤولي قطاعه بتحرير الوثائق والمراسلات الموجهة إلى ديوانه باللغة العربية، نقاشاً واسعاً في الأوساط السياسية والثقافية، بين من يعتبر الخطوة تكريساً للمكانة الدستورية للغة الرسمية، ومن يرى أن تطبيقها ينبغي أن يراعي التعدد اللغوي داخل المجتمع الموريتاني.
وبموجب القرار، يتعين استخدام العربية في المراسلات والمذكرات والتقارير والوثائق الإدارية الموجهة إلى الوزير، غير أن النقاش تجاوز حدود الوزارة ليمتد إلى طبيعة السياسة اللغوية المعتمدة في الإدارة الموريتانية، والعلاقة بين ترسيخ اللغة الرسمية وضمان حقوق المواطنين الناطقين باللغات الوطنية الأخرى.
ويستند المدافعون عن القرار إلى المادة السادسة من الدستور الموريتاني، التي تنص على أن العربية هي اللغة الرسمية للبلاد، إلى جانب الاعتراف بالبولارية والسوننكية والولفية لغاتٍ وطنية. ويرى هؤلاء أن تعزيز استخدام العربية في المرافق العمومية ينسجم مع وضعها الدستوري، ويسهم في توحيد لغة العمل الإداري وتيسير التواصل بين المؤسسات.
في المقابل، يركز منتقدو الإجراء على ضرورة مراعاة التعدد اللغوي، معتبرين أن تنظيم المراسلات داخل الوزارة يطرح أسئلة أوسع بشأن قدرة مختلف المكونات اللغوية على التواصل مع الإدارة والاستفادة من خدماتها على قدم المساواة.
ومن بين الأصوات التي عبّرت عن رفضها فرض الاستخدام الحصري للعربية داخل مصالح الوزارة، البروفسور محمدو سي، عالم الرياضيات الموريتاني المنحدر من مجموعة البولار والمقيم في رواندا، الذي اعتبر أن الإجراء قد ينطوي على تمييز ضد المكونات غير العربية.
وعلى الجانب الآخر، شدد الباحث والمفكر الدكتور محمد المنير على أن المكانة الرسمية للعربية محسومة دستورياً، معتبراً أن النقاش ينبغي أن يتجه نحو تعزيز حضورها وتطوير استعمالها في الإدارة والتعليم والحياة الاقتصادية، بدل التعامل مع وضعها الدستوري باعتباره موضوعاً للمساومة.
وفي سياق متصل، أعادت «عريضة الثامن والعشرين من نوفمبر للسيادة اللغوية»، التي يُقال إن 68 هيئة وشخصية وقّعت عليها، طرح مطالب أوسع تروم تعزيز حضور العربية في مختلف مناحي الحياة العامة، انطلاقاً من تصور يربط بين السيادة الوطنية والاستقلال الثقافي.
وتدعو العريضة إلى إصدار قانون نظامي يحدد الجزاءات المترتبة على مخالفة مقتضيات المادة السادسة من الدستور، ومنع استخدام اللغات الأجنبية داخل البرلمان، وتعريب الخطابات والوثائق والمراسلات الإدارية. كما تشمل مطالبها تعريب لوحات السيارات الحكومية واللافتات الإشهارية، وإشعار السفارات والمنظمات الدولية بالمقتضيات المتعلقة برسمية العربية، فضلاً عن إلزام القطاع الخاص باستخدامها بما يضمن حقوق المستهلك.
ولا تقتصر مطالب العريضة على العربية وحدها، بل تتضمن أيضاً مقترحات لتعزيز حضور اللغات الوطنية الأخرى، من خلال الدعوة إلى استخدام إحداها عندما يتعذر إلقاء الخطابات الرسمية بالعربية، مع توفير الترجمة، وإتاحة خدمات الترجمة داخل المؤسسات الواقعة في المناطق التي يكثر فيها استعمال هذه اللغات.
وبين الدعوات إلى توسيع نطاق التعريب والمخاوف المرتبطة بضمان المساواة اللغوية، يعكس هذا الجدل تحدياً يرتبط بكيفية تدبير التنوع الثقافي واللغوي في موريتانيا. فالمسألة لا تتعلق فقط بلغة المراسلات الإدارية، بل أيضاً بكيفية التوفيق بين المكانة الدستورية للعربية، والاعتراف باللغات الوطنية، وضمان حق جميع المواطنين في الولوج إلى الخدمات العمومية والتواصل مع مؤسسات الدولة.
مقالات ذات صلة
الجديدة.. ساكنة المقاطعة الرابعة تطالب بتحرير الأرصفة من الفوضى التي تتسبب فيها محلات غسل السيارات
OpenAI تكشف نتائج علمية جديدة في الرياضيات وعلوم الكمبيوتر والفيزياء
الأميرة للا أسماء تزور النصب التذكاري لضحايا الإبادة الجماعية ومتحف مكافحتها في رواندا
قيود إسرائيلية تهدد موسم قطاف الزيتون في جنوب لبنان وتفاقم خسائر المزارعين
موريتانيا على وقع جدل لغوي بعد إلزام المراسلات الإدارية بالعربية بين مقتضيات الدستور ومطالب التعدد اللغوي


Comments ( 0 )