الجزائر وفرنسا بين ذاكرة الماضي وضبابية المستقبل

المحور الصحفي // عبد القادر الفرساوي

بعد أكثر من ستة عقود على توقيع اتفاقيات إيفيان التي أنهت الاستعمار الفرنسي رسميًا، ما تزال العلاقات بين الجزائر وفرنسا تراوح مكانها بين ماضٍ مؤلم ومصالح حاضرة، تُعيد التاريخ إلى الواجهة كلما احتدم الخلاف السياسي أو تصاعد الجدل حول الهجرة والذاكرة. وهكذا تبقى العلاقة بين البلدين رهينة جرحٍ لم يلتئم بعد، وذاكرةٍ مثقلة لم تجد بعد طريقها إلى المصالحة الحقيقية.

فالجزائر، بخلاف المغرب وتونس اللتين عاشتا تحت نظام الحماية، كانت قد ضُمّت رسميًا إلى الأراضي الفرنسية، ما جعل الاستعمار أكثر تجذرًا، وأدى إلى استيطان أوروبي كثيف غيّر طبيعتها السياسية والاجتماعية. ومع اندلاع ثورة الفاتح من نوفمبر 1954، بدأت نهاية الوجود الفرنسي الذي دام أكثر من 132 عامًا، لتُفتح صفحة جديدة من الدماء والدموع خلفت أكثر من مليون ونصف المليون شهيد وفق الرواية الجزائرية، وأرقامًا أقل بكثير في السجلات الفرنسية.

وعندما وُقعت اتفاقيات إيفيان عام 1962، بدا كما لو أن صفحة جديدة قد فُتحت بين الشعبين، غير أن آثار الحرب سرعان ما أعادت التوتر إلى الواجهة. إذ ظلت ملفات حرية التنقل والهجرة وحقوق الملكية مصدر احتكاك دائم، خاصة مع تنامي الشعور بعدم التكافؤ بين الطرفين واستمرار رواسب الذاكرة الجريحة.

وفي عام 1968، تم توقيع اتفاق الهجرة بين الجزائر وفرنسا لتسهيل إقامة الجزائريين والمشاركة في النهضة الصناعية الفرنسية. غير أن هذا التعاون سرعان ما تحول إلى مصدر توتر منذ السبعينيات، مع تصاعد الخطاب اليميني المتطرف الذي جعل من المهاجر الجزائري رمزا للتهديد الديمغرافي والثقافي، ليتراجع الاتفاق تدريجيًا عن جوهره الأصلي بفعل التعديلات المتتالية التي أدخلت عليه.

أما اليوم، فالعلاقة بين البلدين ما زالت مشدودة بخيوط الذاكرة، إذ تعتبر الجزائر أن فرنسا لم تقدّم بعد اعتذارًا رسميًا عن الجرائم الاستعمارية، رغم محاولات رؤساء فرنسيين كجاك شيراك وفرانسوا هولاند وإيمانويل ماكرون معالجة الملف. ومع كل أزمة دبلوماسية أو تصريح سياسي، يعود الماضي ليُشعل النقاش من جديد، سواء عبر تقليص التأشيرات أو إعادة النظر في اتفاقيات قديمة مثل اتفاق 1968.

وتُضاف إلى ذلك ملفات جديدة كالهجرة غير النظامية والصحراء الغربية، التي زادت من عمق الخلاف، خاصة بعد إعلان باريس دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي، وهو ما اعتبرته الجزائر انحيازًا لموقف الرباط. أما في فرنسا، فقد صوّت البرلمان مؤخرًا ضد اتفاق 1968، في خطوة رآها اليمين “انتصارًا رمزيًا”، بينما وصفها اليسار بأنها “نكسة دبلوماسية” تسيء إلى تاريخ العلاقات الثنائية، خصوصًا أنها جاءت عشية الذكرى الـ71 للثورة الجزائرية.

ويؤكد المراقبون أن العلاقات الجزائرية الفرنسية ما تزال تدور في فلك التاريخ أكثر مما تنظر إلى المستقبل، إذ يرى الرئيس عبد المجيد تبون أن القضية “رمزية تتعلق بالكرامة والسيادة”، بينما يعتبر محللون فرنسيون أن الجزائر توظف ملف الذاكرة لأغراض سياسية داخلية. وبين هذا وذاك، تبقى العلاقة بين البلدين معلّقة بين حسابات الماضي وضبابية المستقبل، في انتظار مصالحة صادقة تنهي إرث الاستعمار وتفتح باب الشراكة على أسس جديدة من الاحترام المتبادل.

 

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment