ما بعد المينورسو.. هجمات البوليساريو المعلنة تضعها تحت مجهر واشنطن وتعيد ملف تصنيفها إرهابياً إلى الواجهة

المحور الصحفي // اليزيد الفحل
لم يكن إعلان جبهة البوليساريو، فاتح نونبر 2026، تنفيذ هجمات جديدة ضد مواقع للقوات المسلحة الملكية مجرد بلاغ عسكري عابر في سياق نزاع إقليمي ممتد، بل جاء في لحظة سياسية ودبلوماسية شديدة الحساسية، أعقبت انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء «المينورسو»، وبعد أيام قليلة من المواجهة الدبلوماسية التي شهدها مجلس الأمن الدولي بشأن مستقبل البعثة ومسار التسوية السياسية.
فبينما كان المغرب يتعامل مع عدم تجديد ولاية المينورسو باعتباره تحولاً يفتح صفحة جديدة في تدبير قضية الصحراء المغربية، اختارت البوليساريو الإعلان عن استمرار عملياتها العسكرية، في خطوة تعيد طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة المرحلة المقبلة، وحدود التصعيد الميداني، ومستقبل آليات مراقبة الوضع الأمني في المنطقة.
والأكثر إثارة في هذا التوقيت أن هذه التطورات تزامنت مع عودة المطالب داخل الكونغرس الأمريكي بتصنيف الجبهة منظمة إرهابية أجنبية، وفرض عقوبات على الجهات التي يُتهم بتقديم الدعم لها. وهنا تتقاطع ثلاثة مسارات: التصعيد العسكري المعلن، والتحول في الإطار الأممي، وتصاعد النقاش السياسي داخل واشنطن بشأن طبيعة نشاط الجبهة وعلاقاتها الخارجية.
وفق بلاغ عسكري نشرته وكالة الأنباء التابعة للبوليساريو، يوم الأحد فاتح نونبر 2026، أعلنت الجبهة أن وحدات تابعة لها نفذت، خلال ساعات الفجر، عمليات قصف استهدفت مواقع للقوات المسلحة الملكية بمنطقة «أگلاب الكمونة» في قطاع أم أدريكة، مدعية إلحاق خسائر بشرية ومادية.
غير أن هذه المزاعم تظل، في حدود المعطيات المنشورة، ادعاءات صادرة عن طرف في النزاع، ما دامت لم تُدعّم بحصيلة مفصلة أو أدلة مستقلة تسمح بالتحقق من طبيعة الهجوم ونتائجه. كما أن الإعلان عن مواصلة العمليات العسكرية على امتداد الحزام الأمني يطرح تساؤلات بشأن الرسائل التي تريد الجبهة توجيهها في مرحلة تتسم بإعادة ترتيب المشهد السياسي والدبلوماسي.
فالتوقيت ليس تفصيلاً ثانوياً؛ إذ جاء الإعلان بعد انتهاء ولاية المينورسو، وفي أعقاب تعثر مجلس الأمن في اعتماد مشروع القرار الأمريكي المتعلق بتجديد ولاية البعثة، ثم فشل المشروع الروسي البديل في الحصول على الأصوات اللازمة. وهو ما جعل مستقبل آليات المراقبة الأممية في المنطقة موضع تساؤل، خصوصاً في ظل استمرار التوترات العسكرية منخفضة الحدة.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة البلاغ العسكري باعتباره محاولة لإظهار أن الجبهة ما تزال قادرة على فرض حضورها في المعادلة الميدانية، رغم التحولات التي عرفها المسار الأممي. لكن الإعلان عن العمليات شيء، وإثبات نتائجها وتأثيرها الفعلي شيء آخر؛ وهو تمييز ضروري حتى لا تتحول البلاغات العسكرية إلى حقائق ثابتة بمجرد تداولها إعلامياً.
في مقابل الخطاب العسكري الذي تعلنه البوليساريو، جدد المغرب، في بلاغ الديوان الملكي الصادر يوم 30 أكتوبر 2026، تمسكه الثابت بوقف إطلاق النار، مؤكداً احترامه لوحدته الترابية وأمنه الوطني وسلامة مواطنيه.
ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة بالنظر إلى الظرفية التي صدر فيها؛ فالمغرب، وهو يعلن رضاه عن عدم تجديد ولاية المينورسو، لم يربط هذا التطور بالتخلي عن مقتضيات الاستقرار أو فتح الباب أمام المواجهة العسكرية، بل أعاد التأكيد على التزامه بوقف إطلاق النار.
وهنا يظهر الفارق بين تدبير الدولة لملف استراتيجي وبين منطق التصعيد الذي قد تفرضه الحسابات الدعائية أو الظرفية. فالمغرب لا يحتاج إلى الانجرار وراء كل بلاغ عسكري أو تهديد إعلامي، بقدر ما يحتاج إلى مواصلة تثبيت مكتسباته الدبلوماسية، وحماية أمنه الوطني، والحفاظ على الاستقرار في أقاليمه الجنوبية.
كما أن انتهاء ولاية المينورسو لا يعني، في حد ذاته، انتهاء كل التزامات وقف إطلاق النار، ولا يشكل ترخيصاً لأي طرف بتغيير الوضع الميداني بالقوة. فهذه مسألة ينبغي التعامل معها وفق مقتضياتها السياسية والأمنية، بعيداً عن التأويلات التي قد تستغل الفراغ أو الغموض المرتبط بمرحلة ما بعد البعثة.
وقد أكد بلاغ الديوان الملكي أن المغرب سيواصل الدينامية الدولية الداعمة لمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، على المستويين الثنائي والإقليمي، معتبراً أن هذا المقترح يشكل الإطار الوحيد لتسوية النزاع.
لا يمكن تحليل التطورات الأخيرة بمعزل عن واقعة إطلاق المقذوفات التي شهدتها منطقة السمارة يوم 5 ماي 2026، والتي عادت إلى الواجهة بعد ورود تفاصيل بشأنها في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة المؤرخ في فاتح أكتوبر 2026، تحت المرجع S/2026/781.
فبحسب المعطيات الواردة في التقرير الأممي، أجرت بعثة المينورسو معاينات ميدانية لمواقع سقوط المقذوفات، وسجلت آثار ارتطام وشظايا، كما أشار التقرير إلى إصابة مدني ووقوع أضرار مادية. وهي معطيات تمنح الحادث أهمية تتجاوز مجرد تبادل الاتهامات بين أطراف النزاع، بالنظر إلى وصول المقذوفات إلى منطقة مدنية.
والأهم أن التقرير الأممي لم يختزل الوضع العسكري في رواية طرف واحد، بل تناول أيضاً البلاغات المتعلقة بإطلاق النار باتجاه مواقع الجيش المغربي، إلى جانب تقارير عن ضربات بطائرات مسيرة شرق الحزام الأمني، مع الإشارة إلى أن البعثة واجهت صعوبات وقيوداً في الوصول إلى بعض المناطق والتحقق من عدد من الحوادث.
كما أشار التقرير إلى استمرار قيود على تحركات الدوريات البرية للمينورسو شرق الحزام الأمني، وإلى منع طلعات الاستطلاع بالمروحيات في تلك المنطقة منذ نونبر 2020. وهذه التفاصيل تبرز أهمية آليات المراقبة المستقلة، ليس فقط في توثيق الحوادث، بل أيضاً في الحد من تضارب الروايات ومنع تحول الادعاءات غير المتحققة إلى وقائع متداولة.
إن واقعة السمارة تقدم درساً واضحاً: حين تقترب العمليات العسكرية من المناطق المدنية، يصبح الخطر أكبر من الحسابات السياسية والعسكرية، وتتحول حماية المدنيين إلى أولوية لا تقبل المساومة.
بالتوازي مع هذه التطورات، عاد ملف تصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية أجنبية إلى واجهة النقاش السياسي الأمريكي، بعد أن جدد النائب الجمهوري جو ويلسون، يوم 31 أكتوبر، دعوته إلى اتخاذ هذا الإجراء، وربط ذلك بمطالبته بفرض عقوبات على الجزائر بسبب مشترياتها من الأسلحة الروسية، وفق ما ورد في تصريحاته المنشورة على حسابه بمنصة «إكس».
وتكتسب هذه الدعوة أهمية سياسية بالنظر إلى أنها جاءت عقب استخدام روسيا حق النقض ضد مشروع القرار الأمريكي في مجلس الأمن بشأن الصحراء، وفي سياق تصاعد الانتقادات الأمريكية للدور الروسي والجزائري في المنطقة.
غير أن الأهم من التصريحات السياسية هو وجود مبادرات تشريعية مسجلة داخل الكونغرس. فقد شهد مجلس الشيوخ تقديم مشروع القانون S.4063 في 11 مارس 2026، بمبادرة من السيناتور تيد كروز، وبمشاركة السيناتورين توم كوتون وريك سكوت. كما قدم النائب جوش غوتهايمر مشروع القانون H.R.9982 في مجلس النواب يوم 30 يوليوز 2026، بمشاركة عدد من النواب.
وتحمل المبادرتان عنوان «قانون تصنيف جبهة البوليساريو»، غير أن قراءة نصيهما الرسميين تكشف أن مضمونهما يرتبط بفرض عقوبات على الجبهة في حال تعاونها مع منظمة إرهابية مرتبطة بإيران، وهو تفصيل قانوني مهم ينبغي عدم إغفاله عند تناول طبيعة هذه المشاريع وأهدافها.
لكن، وهنا بيت القصيد، لا ينبغي الخلط بين تقديم مشروع قانون وبين اتخاذ قرار رسمي بتصنيف الجبهة منظمة إرهابية أجنبية؛ فالمشاريع المعروضة ما تزال خاضعة للمسطرة التشريعية، ولا تعني بمجرد إيداعها أن التصنيف قد أصبح أمراً واقعاً أو أن المؤسسات الأمريكية المختصة اتخذت قراراً نهائياً بهذا الشأن.
أما تصريحات جو ويلسون، فهي تعكس موقفاً سياسياً واضحاً لدى هذا النائب، لكنها لا تمثل بمفردها قراراً ملزماً للسلطة التنفيذية الأمريكية.
من أبرز أبعاد هذا التطور أن النقاش الأمريكي لم يعد يقتصر على مستقبل بعثة المينورسو أو طبيعة الحل السياسي لقضية الصحراء، بل امتد إلى دور الجزائر في دعم البوليساريو، وعلاقات الجبهة الخارجية، وطبيعة التسليح الذي تحصل عليه الجزائر من روسيا.
وقد ذهب جو ويلسون في تصريحاته إلى المطالبة بفرض عقوبات على الجزائر بموجب قانون مكافحة خصوم أمريكا من خلال العقوبات، المعروف اختصاراً بـ«CAATSA»، على خلفية مشترياتها العسكرية الروسية. وهي مواقف تعكس توجهاً لدى بعض أعضاء الكونغرس لربط ملف الصحراء بتوازنات أوسع تشمل النفوذ الروسي والإيراني في شمال إفريقيا.
لكن من الضروري التمييز بين المطالب السياسية التي يطرحها بعض النواب وبين القرارات الرسمية التي تتخذها المؤسسات الأمريكية المختصة وفق المساطر القانونية. فالعقوبات لا تصبح نافذة بمجرد الدعوة إليها، كما أن تصنيف منظمة أجنبية تنظيماً إرهابياً يخضع لمعايير وإجراءات قانونية محددة.
ومع ذلك، فإن إدخال هذه الملفات إلى النقاش التشريعي الأمريكي يمنح قضية الصحراء أبعاداً إضافية، ويجعل سلوك الأطراف وعلاقاتها الإقليمية والدولية جزءاً من تقييم أوسع للأمن والاستقرار في المنطقة.
لعل السؤال الأكثر إلحاحاً في المرحلة الحالية لا يتعلق فقط بما إذا كانت البوليساريو ستواصل إصدار بلاغات عن عمليات عسكرية جديدة، بل بما سيحل بآليات التحقق والمراقبة بعد انتهاء ولاية البعثة الأممية.
فالمينورسو، رغم الجدل السياسي الذي رافق دورها طوال سنوات، كانت تضطلع بمهام ميدانية تتعلق بمراقبة الوضع العسكري، وإجراء المعاينات، وإعداد التقارير بشأن التطورات والحوادث. وانتهاء ولايتها يثير بالتالي أسئلة عملية حول الجهة التي ستتولى التحقق من الوقائع الميدانية، وكيفية توثيق الحوادث، وما إذا كانت هناك ترتيبات بديلة لتفادي تضارب الروايات أو التصعيد غير المحسوب.
إن غياب آلية مراقبة ميدانية لا يعني بالضرورة اندلاع مواجهة عسكرية، لكنه قد يزيد من صعوبة التحقق المستقل من الحوادث، ويجعل المجال أكثر عرضة للتأويلات والحملات الدعائية، خصوصاً إذا استمرت الأطراف في تبادل الاتهامات وإصدار البلاغات العسكرية.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى قدر أكبر من الحذر والمسؤولية، وإلى قنوات واضحة لتدبير الحوادث ومنع سوء التقدير، بما يحفظ أمن المنطقة ويحول دون انتقال التوتر إلى مواجهة أوسع.
بالنسبة إلى المغرب، لا يكمن التحدي في مجرد انتهاء ولاية بعثة أممية، ولا في متابعة التصريحات الصادرة عن هذا الطرف أو ذاك، بل في كيفية استثمار التحولات السياسية والدبلوماسية لتثبيت مكتسباته وتعزيز موقعه في مسار التسوية.
فالدينامية التي يقودها المغرب دفاعاً عن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية تقتضي استمرار العمل الدبلوماسي، وتوسيع دائرة الدعم الدولي، وتعزيز التنمية في الأقاليم الجنوبية، وتحصين الجبهة الداخلية، مع الحفاظ على أعلى درجات اليقظة الأمنية.
كما أن المرحلة الجديدة تفرض خطاباً سياسياً متماسكاً، يستند إلى الوقائع والقرارات الرسمية، ويتجنب المبالغة في قراءة التطورات أو تقديم مشاريع القوانين الأمريكية باعتبارها قرارات نهائية. فالقوة الدبلوماسية لا تقاس بحجم التصريحات، وإنما بقدرة الدولة على تحويل المواقف الدولية إلى مواقف مؤسساتية ومكاسب مستدامة.
وفي المقابل، فإن أي تصعيد عسكري معلن أو تهديد باستهداف مواقع القوات المسلحة الملكية ينبغي أن يُقرأ في سياقه، وأن يخضع للتحقق والتقييم، دون التقليل من مخاطره أو تضخيم نتائجه قبل ثبوتها.
إن إعلان البوليساريو تنفيذ هجمات جديدة بعد انتهاء ولاية المينورسو يضع المنطقة أمام مرحلة دقيقة، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع التحولات الدبلوماسية والنقاشات التشريعية داخل الولايات المتحدة.
فمن جهة، يؤكد المغرب تمسكه بوقف إطلاق النار ومواصلة الدفاع عن وحدته الترابية عبر المسار الدبلوماسي ومبادرة الحكم الذاتي. ومن جهة أخرى، تعلن البوليساريو استمرار عملياتها العسكرية، في وقت تتصاعد فيه مطالب بعض أعضاء الكونغرس الأمريكي بتشديد الضغط عليها وعلى الجهات التي يتهمونها بدعمها.
لكن السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يظل مطروحاً هو: هل ستدفع التطورات الميدانية المعلنة واشنطن إلى الانتقال من مستوى المطالب السياسية والمشاريع التشريعية إلى إجراءات قانونية فعلية، أم سيظل ملف التصنيف ورقة ضغط ضمن التوازنات السياسية الأمريكية؟
في جميع الأحوال، لا ينبغي اختزال المرحلة في سباق التصريحات والبلاغات العسكرية؛ فالمعيار الحقيقي هو ما ستسفر عنه المؤسسات والقرارات الرسمية، وما إذا كانت المنطقة ستتجه نحو تثبيت الاستقرار وفتح أفق سياسي واقعي، أم ستظل رهينة التصعيد وتبادل الاتهامات.
إن المغرب، وهو يدخل مرحلة جديدة من تدبير قضية الصحراء المغربية، يواجه اختباراً مزدوجاً: حماية أمنه واستقراره من جهة، وتحويل زخمه الدبلوماسي إلى مسار سياسي مستدام من جهة أخرى. أما الرهان الأكبر، فيبقى إنهاء النزاع على أساس حل سياسي واقعي، يحفظ الاستقرار الإقليمي ويضع حداً لعقود من التوتر.
مقالات ذات صلة
لقجع يكشف تفاصيل صندوق إرث مونديال 2030.. 100 مليون دولار لتطوير كرة القدم المغربية ورهانات اقتصادية تتجاوز الرياضة
حجيرة يكشف تمركز 85% من الصادرات بين طنجة والجديدة ويعلن استهداف 600 مقاولة جديدة
الجامعة الوطنية للتخييم تناشد المنتظم الدولي لإنهاء معاناة الأطفال المغاربة بمخيمات تندوف
تيار معارض لقيادة البوليساريو يدعو إلى حكم ذاتي حقيقي في إطار السيادة المغربية لإنهاء نزاع الصحراء
وزارة الشباب تتجه إلى إقصاء الشركات المتأخرة في أجور الأطر المساعدة وغير المصرحة بها لدى الضمان الاجتماعي


Comments ( 0 )