فتاة التسول: براءة في مهب الضياع

المحور الصحفي // ايمان لعقاق

في زوايا الشوارع المظلمة، بين الأرصفة التي تحكي قصص الحزن، تجد أيادي صغيرة تمتد، وعيونًا تملؤها براءة مسلوبة. تتوقف الحياة لتسأل: كيف لطفولة أن تضيع بين التسول وأعباء لا تُحمل إلا للكبار؟ في عالم يفترض أن يمنحهم الدفء والحماية، كيف تحولوا إلى ضحايا الفقر والإهمال، تُركوا وحدهم في مواجهة مصير مجهول؟

في تلك اللحظات، لا يكون التسول مجرد مشهد عابر، بل صرخة مدوية تكشف ضعف المجتمع وتقصيره. أطفالٌ يجوبون الطرقات، يبحثون عن شفقة تُعينهم يومًا، بينما يُفترض أن يبحثوا عن أحلام تُضيء مستقبلهم. ترى، متى نصحو من غفلتنا، وندرك أن هؤلاء ليسوا مجرد متسولين، بل أرواح تحتاجنا أكثر مما نظن؟

عندما ترى فتاة صغيرة تجلس أمام مطعم، متسولة بنظرات تعج بالألم والحرمان، فيما يتناول زبائن المطعم طعامهم غير آبهين، تتساءل: من هنا الضحية؟ أهي التي تطلب الشفقة أم نحن الذين نختار غض الطرف؟ أصبحت المعضلة أننا لا نعرف من يحتاج فعلاً ومن يتخذ التسول حرفة، لأن المجتمع غرق في فوضى أخلاقية وتشويش إدراكي.

الأمر الأخطر أن هذه الفتيات القاصرات، اللاتي يفترض أن يكبرن في أمان، قد يتعرضن للاستغلال من قِبل النفوس المريضة. الشارع ليس مكاناً آمناً، والتسول يجعل منهن فريسة سهلة للابتزاز أو العنف أو حتى الجريمة. هنا، يبرز السؤال الذي يُدمي القلوب: أين الأم التي تركت طفلتها تواجه هذا المصير؟ أين الأب الذي تخلى عن دوره؟ أين المجتمع الذي فقد ذاكرته الإنسانية وأصبح يتعامل مع الفقر وكأنه قدر محتوم؟

إنه لمن المحزن أن تتحول عواطف الناس الممزقة إلى مجرد استجابة عابرة لنظرات استجداء، دون التفكير في حل حقيقي. يحتاج المجتمع إلى يقظة، إلى مواجهة هذه الظاهرة ليس فقط من خلال المساعدة المؤقتة، بل بالبحث عن جذورها: الفقر، الجهل، ضعف الرقابة، وانهيار دور الأسرة. يجب أن تكون هناك قوانين تردع، وبرامج تحمي، ومدارس تحتضن هؤلاء الأطفال الذين أُجبروا على النضج قبل أوانهم. المسؤولية هنا ليست فقط على الدولة، بل علينا جميعاً، كلٌ في موقعه، لإعادة بناء مجتمع يحترم الطفولة ويصون كرامة الإنسان.

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment