الطاكسي المغربي يفتح باب الوطن

المحور الصحفي //  عبد القادر الفرساوي

في زحمة الأيام، وتحت شمس ماي الحارقة، وسط ضجيج المدن واختناق الأرصفة، فتح سائقو الطاكسي بالمغرب أبوابهم لا لزبون عابر، ولا لطلب مستعجل، بل لروح وطنية ترتدي محفظة وتقبض على الأمل.

لم تكن مجرد سيارات أجرة تقل تلاميذ الباكالوريا إلى مراكز الامتحان، بل كانت عربات كرامة، محمولة على عجلات التضامن. لقد اختار هؤلاء السائقون ، الذين لا يُذكرون غالبا إلا في لحظات الشكوى ، أن يكونوا عونا وسندا، وأن يثبتوا أن الوطنية ليست نشيدا يتلى، بل فعلا يمارس.

في مراكش والدار البيضاء وبرشيد، توقفت العدّادات، وغابت كلمة “التسعيرة”، وحضرت كلمة “أبناؤنا”. لا أحد سأل عن الحي أو المسافة، لأن وجهة الجميع كانت واحدة: دعم طالب علم يحارب الخوف والقلق من أجل غد أفضل.

هذه المبادرة التي أطلقتها نقابات مهنية لم تكن صدى إعلاميا عابرا، بل كانت تذكيرا خافتا ومؤلم اأحيانا  بأننا لا زلنا قادرين على أن نكون مجتمعا، لا مجرد أفراد. وأن من يسير في الشارع، سائقا كان أو عابرا، يمكن أن يكون هو ذاته حارس بوابة الحلم لشاب أو شابة لا يملك سوى دعاء أمه، وورقة امتحان.

أحد السائقين قالها ببساطة صادقة: “نحن مجتمع متنقل”. نعم، لسنا فقط أجسادا تتنقل في المدن، بل قلوب تسافر صوب الخير حين تجد إليه سبيلا. هذه الأرواح التي تقود الطاكسي ليست بلا هموم، وليست في بحبوحة من العيش، لكنها حين رأت حاجة التلميذ، نسيت ألمها وتقدمت.

في زمن صاخب بالصراعات الصغيرة والأنانية الكبرى، تأتي مثل هذه المبادرات كجرعة من الأوكسجين النقي، كأن الوطن يقول: لا زلت بخير، ما دام بينكم من يلتفت للضعيف، ويسند التائه، ويفتح باب سيارته ليقول لتلميذ خائف: “اركب.. النجاح ينتظرك”.

في لحظة واحدة، تحول الطاكسي من وسيلة نقل، إلى وسيلة نبيلة لصناعة الأمل. لم تكن السيارة مجرد مكان للجلوس، بل كانت – لثلاثة أيام – حضنا دافئا، ومشهدا مغربيا لا يجب أن ننساه.

شكرا لسائقي الطاكسي الذين أثبتوا أن معنى أن تكون مواطنا، ليس في بطاقة تعريفك، بل في ما تفعله حين تكون هناك حاجة لمن يمد يده دون أن يسأل لماذا.

وإن كان من رجاء، فهو أن تتحوّل هذه المبادرة إلى ثقافة، وأن لا تظل حدثا موسميا نذكره ثم ننساه. فالوطن الذي نحلم به، لا يُبنى فقط بخطط فوقية، بل بقلوب تسير على أربع عجلات، وضمائر تعرف أن العلم وحده لا يكفي، إن لم تحمله إنسانية ترافقه في الطريق.

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment