الكلمة حين تصنع المصير…

المحور الصحفي // ايمان لعقاق
الحوار ليس مجرد أصوات تتبادل، بل هو امتحان لقدرة الإنسان على حفظ إنسانيته في لحظات الانفعال، وضبط الكلمة قبل أن تتحول إلى سهم قاتل. فالله سبحانه وتعالى جعل الكلمة أمانة، وأخبرنا: “مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ”، وكأن الآية تذكرنا أن ما نقوله قد يعمر حياة أو يهدمها.
مع الأشخاص العصبيين، تصبح الكلمة مفتاحًا لتهدئة الغضب أو وقودًا له. علماء النفس يرون أن مواجهة الغاضب بكلمة حادة أشبه بإلقاء الزيت على النار، بينما اختيار العبارات الهادئة يعكس وعيًا فلسفيًا ودينيًا بأن ضبط اللسان هو قمة القوة الإنسانية. وقد قال النبي ﷺ: “ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب”.
لكن الكلمة لا تقتصر على حل الخلافات الشخصية، بل تمتد سلطتها إلى الساحات الكبرى، حيث تُدار المعارك الفكرية والسياسية. في عالم السياسة، الكلمة قد تسقط حكومة أو تبني تحالفًا، قد تثير ثورة أو تطفئها. وهنا تتجلى قوة السلطة الرابعة — الإعلام — الذي لا يحمل سلاحًا ماديًا، بل يوجه الرأي العام بذكاء الكلمة، فيغير قناعات الشعوب ويعيد رسم المشهد السياسي.
تاريخ الصحافة حافل بقصص جعلت من مقال واحد أو تقرير استقصائي نقطة تحول في قضايا كبرى. كم من حكم قضائي كان يسير نحو الإدانة المؤبدة، حتى جاءت كلمة مكتوبة بصدق وذكاء، لتكشف خيوط الظلم وتعيد فتح التحقيق، لينقلب الحكم من إدانة إلى براءة. إنها المعجزة التي تحدث حين تتحول الكلمة من حروف على ورق إلى سلاح للعدالة.
إن للكلمة سلطة مزدوجة: فهي في الحياة اليومية وسيلة لبناء الثقة أو هدمها، وفي الحياة العامة أداة لتوجيه الوعي الجمعي. والفرق بين أن تكون الكلمة أداة بناء أو هدم، يكمن في الوعي الأخلاقي لمن ينطق بها أو يكتبها. فالمسؤولية هنا ليست فردية فقط، بل حضارية، لأن الأمم تبنى على وعي شعوبها، ووعي الشعوب يتشكل بالكلمة التي تصل إليهم.
الحوار مع الغاضب أو تقرير صحفي يهز أركان الظلم… كلاهما يشتركان في جوهر واحد: الكلمة أمانة ومسؤولية، وقدرها أن تصنع المصائر.
إن الكلمة في لحظة الغضب إما أن تكون جسرًا نحو المصالحة أو قنبلة تفجر العلاقات. الحكمة هي أن نتذكر دائمًا أن الحوار ليس ساحة لإثبات التفوق، بل وسيلة لحماية الروابط الإنسانية التي أوصانا الله بعمارتها.
مقالات ذات صلة
السياسة بين الإنصاف والخصومة… حين يكتب التاريخ بعيدًا عن ضجيج المواقف
نتنياهو بين تآكل الهيبة وصعود البدائل… هل تدخل إسرائيل مرحلة ما بعد “الرجل الذي لا يُهزم”؟
الجواسيس في عصر البيانات… عندما تصبح المعلومة سلاحًا يفوق الصواريخ
تدبير مجلس الجديدة… بين السطحية الميدانية وغياب الرؤية التنموية الشاملة
وأُسْــدِل الْسِّتَــار عَن مُونْدِيَال Mondial 2026


Comments ( 0 )