كتاب:” في مواجهة المرآة” مرافعة فكرية من أجل صورة المغرب

 المحور الصحفي // عياد ابلال 

إن الكتابة عن صورة المغرب عند المفكر المغربي عبد الله بوصوف كتابة مخضبة بالكثير من المعرفة الأمل والاعتزاز بالهوية المغربية. ولذلك، فترجمة هذا المفكر إلى اللغة العربية كما إلى باقي اللغات العالمية، هي ترجمة في العمق لتاريخ طويل من الانتماء الفكري والثقافي، ولهوية متجذرة في التاريخ الكوني، وهي بتعبير آخر ترجمة للمشاعر والأحاسيس التي يصعب نقلها بدفئها الدافق إلى اللغات الأخرى.

فمن صورة الذات كما تدركها الأنا العالقة في تناقض الغيرية المحكومة بالمصالح الاستراتيجية وأحكام القيمة، إلى وضع تصور مستقبلي للسياسات العمومية، التي لا تنفصل عن الصورة – العلامة الدالة على الدولة- الأمة العريقة، حيث تنتصب قامة المغرب والمغاربة في متن عبد الله بوصوف الكتابي ومنجزه الفكري في هذا الكتاب، تكتمل الوحدات الضوئية للصورة النموذجية التي يرسمها بوصوف في متن هذا الكتاب.

إن قراءة هذا الكتاب وترجمته هو في العمق قراءة للطريقة التي يفكر بها هذا المفكر القادم من دهاليز وسراديب التاريخ في دوراته البندولية، والتي حكمت على المغرب بالعجز تارة، وبالنجاح والتألق تارة أخرى، بيد أن الجميل في الكتابة عن صورة المغرب، هو المرافعة الفكرية التي يقيمها بوصوف للدفاع عن شرف الانتماء للهوية المغربية في تعدد مشاربها وجذورها الأنثربولوجية.  ولذلك، تتعالق سرديات هذا المؤرخ والمفكر عن التاريخ بوصفه الحضن الذي نشأ فيه، بالعلوم الاجتماعية التي وجدت منتجعاتها الوارفة في متن هذا الكتاب على المستوى التحليلي.

ظل المغرب وما يزال محط أطماع اقتصادية وسياسية متجددة، ولم تنفصل عن مطامع استعمارية منذ الفنيقيين إلى اليوم، وفق تجدد صورة المستعمر ورؤيته الاستراتيجية، بيد أن تمثلات هذه القوى المتربصة بالبلاد ظلت كما هي، بالنظر إلى موقع المغرب الاستراتيجي وعمقه التاريخي والحضاري، وهو موقع أهله دوما لاكتساب ذكاء استراتيجي منفرد في المنطقة. ولذلك، فكل تحرك توسعي على المستوى الاقتصادي أو السياسي، يقابل بقوى معارضة على مستوى المربع السيميائي الذي يجعل المغاربة ملزمين باتخاذ الحيطة والحذر، والاستمرار في تأطير صورتهم داخلياً وخارجياً.

قليلة هي الكتابات الجادة التي تناولت صورة المغرب داخلياً وخارجياً، ولربما يمكن اعتبار تناول هذا الموضوع قد ظل نخبوياً، بالرغم مما للموضوع من أهمية استراتيجية في زمن أصبحت القوى الناعمة، هي التي تحدد النظام العالمي الجديد، الذي لا يمكن بأي حال من الأحوال فصله عن الثورة التكنولوجية وما رافقها من ثورة ثقافية، جعلت من الصورة مفتاح الحروب في بعديها الكلاسيكي وما بعد حداثي. ولهذا، فكتاب المؤرخ عبد بوصوف يعتبر في حد ذاته حدثاً فكرياً وثقافياً بالنظر إلى عمقه المعرفي، حيث التاريخ، الجغرافيا السياسية، علم الاجتماع، الأنثربولوجيا، الأركيولوجيا، مستندات ذات قيمة جوهرية في تحليله العميق لصورة المغرب.

إن انشغال عبد الله بوصوف وانهمامه بالهوية المغربية في تعددها وتنوعها المرجعي، يستوي في هذا الكتاب صناعة للقوة الناعمة لمغرب الغد. قوة تتجلى في كون الصورة وارتباطاتها بمفاهيم البورتريه والسمعة والعمق الاستراتيجي، هي بالنهاية صناعة وابتكار وإبداع، وليس مجرد معطى ثقافي خام. ولهذا، فحين يُشَرِّحُ مفهوم السمعة الدولية للمغرب ويفكك مكوناتها الدلالية، فهو يضع الأصبع على مكمن الداء الذي يجعلنا نخجل بتعبير ملك البلاد من التناقضات التي يسجلها نموذجنا التنموي والسياسي، خاصة وأن المغرب يتوفر على كل مقومات الاقلاع الاقتصادي والصناعي والاجتماعي، وبعبارة شاملة مانعة، للإقلاع المجتمعي والحضاري.

إن قراءة هذا الكتاب هو أساساً تذكير بهذه المقومات التي تمتد جذورها عميقاً في التاريخ والثقافة، وإحالة مرجعية على الخصوصية السياسية لبلد شريفي يستوي الدين والتدين فيه طبقة رسوبية من الإبداع الذي جعل الدين دوما في قلب المجتمع، مثلما جعل الملكية في قلب المتخيل كمعطى سيكو أنثربولوجي. وعليه، فالاستقرار بفضل الانسجام الحاصل بين وحدات الصورة النموذجية للمغرب، المشكلة من الشعب وإمارة المؤمنين، هو في العمق ما يضمن قوة المغرب وتوازنه السياسي المنفتح على الحداثة، التي تشير إليها عبد اله بوصوف كمرتكز من مرتكزات هذه الصورة النموذجية، التي يجب الترويج لها بحرفية وذكاء استراتيجيين.

إذا كانت الترجمة هي نقل وتحويل لنص مكتوب بلغة إلى لغة أخرى، فإنها في العمق الدلالي والمرجعي نقل للحضارة والفكر والثقافة، بل وتحويل لحياة النص الأصلي ليحيا حياة ثانية في النص المترجَم، بما يعني في النهاية ولادة ثانية للكاتب ونصه على حد سواء. ولذلك، فشعوري  بتدفق الحياة والانتصار إلى الجميل لا يرتبط فقط بلذة الترجمة، بالرغم من صعوبة التوفيق بين الألفاظ ودلالاتها في اللغتين العربية والفرنسية لاختلاف السياق المجتمعي لكل لغة، واختلاف الأنساق الثقافية، ومن ثم تباين البعد الأنثربولوجي للمشاعر، التي لا تنفصل عن توظيف الكلمات والعبارات، بل يرجع إلى قوة الكتاب وأبعاده الاستراتيجية، وإلى عمقه الشعري، بكل ما تفيده شعرية اللغة وجماليتها عند عبد الله بوصوف.

كلها أبعاد وميزات تجعل من هذا الكتاب مرافعة ثقافية وفكرية من أجل تتويج المغرب وتأطير صورته وسمعته تأطيراً جمالياً ومعرفياً، خاصة وأن المبتغى الأسمى هو التنظير الاستراتيجي لمغرب الغد. وهكذا، يمكنني أن أعتبر هذا الكتاب بمثابة مدخل للقوة الناعمة لمغرب قوي بموارده الطبيعية والبشرية، وبمؤهلاته الثقافية والفكرية، وبمخزونه التاريخي الذي يشكل في العمق خزاناً لا ينضب من المقومات والكفايات الاستراتيجية الواجب أخذها بعين الاعتبار.

إذا كانت الصورة صناعة، والسمعة إبداع وابتكار، فإنها هنا لا تنفصل عن السياسة، إلا لكي ترتبط بها من جديد على قاعدة فن تدبير الممكن، وتجاوز الكائن ونواقصه، وهو ما جعل الدكتور عبد الله بوصوف القادم من حقل التاريخ يحرث حقل السياسة العمومية ومستلزماتها القانونية والاجتماعية والاقتصادية، هائماً في مختلف المراحل التاريخية للمغرب ومنقباً عن شروط هذه الصناعة بوصفها حسب بوصوف، استراتيجية بامتياز.

ولذلك، فدعوته لتشكيل هيئة عليا للسمعة الوطنية وللصورة النموذجية للمغرب، هي دعوة في الحقيقة، إلى تحقيق القوة الناعمة بكل ما يرتبط بها من إقلاع اقتصادي وإبداع سياسي وتكريس دولة الحق والقانون، باعتبارها دولة الحداثة المنشودة، والتي تتأسس كما يشير إلى ذلك بوصوف، على قاعدة مغرب المساواة.

إن ما نريده لأنفسنا ليس بالضرورة ما يريده الآخر لنا، وما يريده المغرب الرسمي من الآخر أن يراه عليه، ليس هو تماماً كيف يراه هذا الآخر في نهاية المطاف، بحيث تتشكل هذه الصورة من أبعاد ذاتية استراتيجية نفعية للآخر دون أن نجرده من موضوعيته في بعض الأحيان. وعليه، فبين الذات والآخر تنتصب الغيرية كمؤشر من مؤشرات النظرة التي تشكل سمعة المغرب داخلياً وخارجياً.

إذا كانت هذه الصورة ذات أهمية عظمى في تسويق المغرب ثقافياً واقتصادياً وسياسياً، فإن مرجعيات هذه الصورة تكمن في كل الأبعاد المادية والرمزية، سواء تعلق الأمر بالتاريخ وما يضمره ويختزنه من موروث مادي ولا مادي، أو تعلق الأمر بالحاضر وتجلياته في الاقتصاد والسياسة والاجتماع. ومن هنا، فصناعة الصورة تقتضي ترسانة من الإصلاحات والمقومات التي ترتبط أشد الارتباط بالصناعات الثقافية والسياحية والاقتصادية والقانونية والمؤسساتية، في ظل دولة المؤسسات.

في الأخير لا أملك سوى أن أهنئ المؤرخ والمفكر عبد الله بوصوف على هذه الصورة التي رسمها لمغرب يطمح للعلا طموح كل المغاربة لغد يبتهجون من خلاله بكل صور النجاح والتقدم. كما أتمنى أن تكون هذه الترجمة في حجم عمق وجمالية النسخة الفرنسية.

 

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment