حزب الأصالة والمعاصرة بين خطاب النزاهة وواقع التثبيت السياسي

المحور الصحفي // اليزيد الفحل
في المشهد الحزبي المغربي، يظل حزب الأصالة والمعاصرة أحد أكثر الفاعلين إثارة للنقاش، سواء من حيث مساره السياسي أو من حيث الخطاب الذي يقدّمه للناخبين. فبينما يرفع شعارات النزاهة والشفافية، تظل الأسئلة معلقة حول مدى انسجام هذه الدعوات مع ممارساته اليومية، ومع الطريقة التي يسعى بها لتثبيت حضوره في الساحة السياسية.
منذ نشأته، حمل الحزب صورة “المشروع” الذي أريد له أن يكون بديلاً سياسياً قادراً على إعادة تشكيل التوازنات، غير أنّ هذا الطموح سرعان ما اصطدم بإكراهات الواقع: تحالفات ظرفية، اصطفافات متناقضة، وتحديات مرتبطة بإقناع الشارع بجدية خطابه. وهنا تتجلى المفارقة: كيف يمكن لحزب يرفع شعار النزاهة أن يقنع المواطنين بصدقية أطروحاته، في وقت يرى فيه الكثيرون أنّه يشتغل على تثبيت الصورة أكثر من الاشتغال على المضمون؟
الانتخابات الأخيرة كشفت بوضوح هذه الهوة. فقد تمكن الحزب من حصد مكاسب انتخابية مهمة، لكن هذه المكاسب لا تكفي وحدها لبناء الثقة الشعبية. النزاهة ليست شعاراً انتخابياً يُرفع عند الحاجة، بل ممارسة سياسية تتجسد في القرارات اليومية: في اختيار المرشحين، في إدارة المجالس المحلية، وفي طريقة التعاطي مع قضايا الفساد.
الواقع أنّ حزب الأصالة والمعاصرة يجد نفسه اليوم أمام مفترق طرق. إما أن يظل أسير صورة “الحزب الإداري” الذي يشتغل على تثبيت حضوره عبر التوازنات السياسية والصفقات، أو أن يختار فعلاً الانحياز إلى خطاب النزاهة ويترجمه إلى سلوك سياسي جريء يقطع مع الممارسات التي أفقدت المواطن ثقته في الأحزاب.
التحدي الأكبر للحزب لا يكمن في منافسة خصومه التقليديين، بل في مصالحة المواطن مع السياسة، عبر إعادة بناء جسور الثقة. هذه المصالحة لن تتحقق إلا إذا برهن الحزب على أنّه قادر على تجاوز الصورة التي رُسمت له، وأن يثبت أنّ خطاب النزاهة ليس مجرد غطاء دعائي، بل خيار استراتيجي يترجم إلى مواقف ملموسة.
لكن التحدي لا يتوقف عند حدود الممارسة اليومية فحسب، بل يمتد إلى الصراعات الداخلية والتناقضات البارزة في هياكل الحزب. كثيرون من مراقبي المشهد السياسي يرون أن الأصالة والمعاصرة يعتمد على شبكة من التحالفات المتغيرة والمصالح الضيقة لتثبيت وجوده، بدل التركيز على إصلاح البنية التنظيمية وتعزيز الشفافية داخل مؤسساته. هذا الانزلاق يحوّل شعار النزاهة إلى مجرد أداة تسويقية تُرفع في الحملات الانتخابية، بينما تُهمش عملياً في إدارة الشؤون الداخلية والخارجية للحزب.
المفارقة الأكبر أنّ الحزب ينجح في إقناع الرأي العام بقدرته على الإصلاح ومحاربة الفساد، في حين يواصل بعض قياداته الانخراط في ممارسات تتناقض مع هذه الشعارات. ما يجعل المواطن المغربي أمام مفارقة مزدوجة: خطاب مبهر وصور إعلامية جذابة، من جهة، وسلوك سياسي متأرجح أحياناً بين الحياد السياسي والصفقات الظرفية، من جهة أخرى.
إذا أراد الأصالة والمعاصرة أن يبرهن على صدقيته، فلا يكفي أن يرفع الشعارات، بل يجب أن يبدأ بإصلاح ديمقراطي داخلي حقيقي، يُعطي الكلمة الحقيقية للقاعدة، ويضع آليات واضحة للرقابة والمساءلة. عليه أن يثبت أن النزاهة ليست مجرد صورة، بل استراتيجية سياسية قابلة للقياس والمتابعة.
في نهاية المطاف، مستقبل الحزب يعتمد على قدرته على الموازنة بين بناء صورته العامة وبين ممارسة السياسة بصدق وجرأة. الفشل في هذا الاختبار لن يضر فقط بمصداقيته، بل سيعزز حالة الاستياء العام من الأحزاب، ويزيد من الهوة بين المواطن والسياسة، تاركاً المجال لمنصات أخرى تملأ فراغ الثقة بما هو أكثر إثارة وجاذبية.
مقالات ذات صلة
هل أسقط المغرب رهان الانتظار الأممي وانتقل إلى مرحلة صناعة الحل النهائي للصحراء المغربية؟
أربعة ملايين سنتيم للسكن القروي.. هل تنجح الحكومة في تحويل الوعد إلى حقائق على الأرض؟
نبض الصحراء، ملحمة سيادة لا تريم
الصحراء المغربية .. انتهى زمن إدارة النزاع وبدأ زمن فرض المعادلات
مونديال 2030.. زيارة «فيفا» تضع الحكومة الجديدة أمام اختبار الجاهزية، والمغرب مطالب بتحويل الطموح إلى إنجاز


Comments ( 0 )