الفِلِيبستر يبتلع واشنطن: كيف تحوّل الإغلاق الحكومي إلى سلاح سياسي في يد ترامب والكونغرس؟

المحور الصحفي // اليزيد الفحل

تتعمق الأزمة السياسية في الولايات المتحدة مع فشل مجلس الشيوخ مجددًا في تمرير مشروع قانون “العدالة أثناء الإغلاق” الذي يهدف إلى دفع رواتب الموظفين الفيدراليين رغم استمرار الإغلاق الحكومي، في مشهد يعكس حجم الانقسام الحاد بين الجمهوريين والديمقراطيين، ويكشف كيف تحوّل الإغلاق إلى ورقة ضغط متبادلة بين البيت الأبيض والكونغرس.

صوّت الديمقراطيون، باستثناء ثلاثة منهم، ضد مشروع القانون الذي طرحه السيناتور الجمهوري رون جونسون، ليُهزم التصويت بنتيجة 53 مقابل 43، في حين كان تمريره يتطلب 60 صوتًا لتفعيل الإجراء المعروف باسم “Cloture” وإنهاء النقاش. ومع سقوط التصويت مساء الجمعة، بات واضحًا أن الأزمة ليست مالية فقط، بل مؤسساتية بامتياز.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يُخفِ امتعاضه من تعطيل المشروع، بل ذهب أبعد من ذلك حين أعاد نشر مقابلة للسيناتور الجمهوري روجر مارشال دعا فيها إلى إلغاء آلية “الفِلِيبستر”، التي تسمح للأقلية بتعطيل التشريعات عبر إطالة النقاش. ترامب يرى أن هذه الأداة أصبحت سلاحًا بيد الديمقراطيين لتعطيل “الإصلاحات الضرورية” — في حين يعتبرها خصومه آخر حصن يحمي الديمقراطية من تغوّل السلطة التنفيذية.

جوهر الأزمة لا يكمن فقط في خلاف حول رواتب الموظفين الفيدراليين، بل في طبيعة العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في واشنطن. الجمهوريون يسعون لتصوير أنفسهم كمدافعين عن “العدالة للموظفين”، بينما يتهم الديمقراطيون إدارة ترامب باستغلال الإغلاق لتمرير صلاحيات أوسع تحت غطاء “التمويل المؤقت”. السيناتور الديمقراطي غاري بيترز طرح مشروعًا مضادًا يقيّد صلاحيات الرئيس في استخدام الأموال، لكن الأغلبية الجمهورية اعتبرته محاولة لتسييس الملف.

في الخلفية، تتزايد الضغوط الاقتصادية. الإغلاق الحالي هو الأطول في تاريخ الولايات المتحدة، بتكلفة أسبوعية تتراوح بين 10 و30 مليار دولار، وفق تقديرات بلومبرغ. الملايين من الموظفين الفيدراليين فقدوا رواتبهم أو حُرموا من العمل، فيما تتأثر قطاعات حيوية مثل النقل الجوي والمساعدات الغذائية. شركات الطيران ألغت مئات الرحلات بسبب تقليص نشاط إدارة الطيران الفيدرالية، والمستهلك الأمريكي العادي بدأ يشعر بالاختناق في موسم الأعياد.

الولايات المتحدة التي طالما قدّمت نفسها كنموذج للاستقرار المؤسسي تبدو اليوم عالقة في شلل تشريعي يُهدّد مكانتها الاقتصادية. الاقتصاد الأمريكي، الذي يعاني أصلًا من تضخم مرتفع وتراجع في الإنتاجية، لم يعد قادرًا على امتصاص صدمات الإغلاق المتكررة. ومع اقتراب عام انتخابي حاسم، يزداد استخدام هذه الأزمات كورقة انتخابية. الجمهوريون يحمّلون الديمقراطيين مسؤولية “ابتزاز الحكومة”، فيما يصوّر الديمقراطيون ترامب كمن يقود البلاد نحو فوضى مالية من أجل أجندته الخاصة.

من زاوية أعمق، تكشف أزمة “Shutdown Fairness Act” أن الديمقراطية الأمريكية دخلت مرحلة استقطاب غير مسبوق، حيث تتحوّل الإجراءات الدستورية — مثل الفِلِيبستر والإغلاق الحكومي — إلى أدوات في معركة وجودية بين حزبين لم يعد يجمع بينهما سوى العداء. ومع استمرار الجمود، يتآكل الثقة في فعالية المؤسسات نفسها، إذ يرى الأمريكيون في الكونغرس مسرحًا للمناورات لا مجلسًا للحكم.

الإغلاق الحالي ليس مجرد تعطيل إداري، بل اختبار للقدرة الأمريكية على إدارة الخلاف داخل النظام الديمقراطي. فإذا ما استمرّ التعامل مع الأزمات بهذه العقلية الانتقامية، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام لحظة حقيقية من الانهيار المعنوي — حين يدرك المواطن أن نظامه السياسي، الذي طالما افتخر به، صار رهينة لنخبة تضع مصالحها فوق الدولة نفسها.

ما يجري في واشنطن اليوم ليس نقاشًا حول “Cloture” أو “الفِلِيبستر”، بل حول سؤال أعمق: من يملك القرار في أمريكا؟ الكونغرس، الرئيس، أم الصراع بينهما؟ الإجابة عن هذا السؤال، وليس مجرد تمرير مشروع جونسون، هي التي ستحدّد ما إذا كانت الولايات المتحدة لا تزال النموذج الديمقراطي الذي يحقّ للعالم أن يثق به.

  • Link copied

مقالات ذات صلة

Comments ( 0 )

Write a Reply or Comment