حين تصبح السلطة للسلاح: الانقسامات السياسية تغرق ليبيا والمواطن يدفع الثمن

المحور الصحفي // اليزيد الفحل
ليبيا اليوم تكاد تكون نموذجًا صارخًا لكيفية تفكيك الدولة تحت ضغط الانقسام المستمر، حيث لم تعد الأزمة مجرد خلاف سياسي أو قانوني، بل صراع معقد يشمل السلاح والمال والنفوذ المحلي والإقليمي والدولي. بعد الثورة التي أطاحت بنظام القذافي، كانت التوقعات كبيرة لتأسيس دولة موحدة وفعّالة، لكن السنوات الـ15 الأخيرة أثبتت أن الانقسامات عميقة، والمصالح المستقرة لبعض الفاعلين جعلت إنهاء الأزمة أكثر كلفة من استمرارها.
الصحفي محمد شحات يوضح أن جميع الحوارات السياسية السابقة اقتصرت على إدارة مظاهر الأزمة بدل معالجة جذورها. الانقسام ليس بين برلمانين أو حكومتين فحسب، بل بين مصالح مترابطة تجمع النخبة الحاكمة مع الميليشيات المسلحة، وهو ما يجعل أي اتفاق هشًا، سهل الانهيار، وغير قادر على إحداث تحول حقيقي في الواقع الليبي.
الميليشيات، من جهتها، لم تعد مجرد طرف مساند، بل أصبحت صاحبة كلمة في إدارة الدولة. القوة الفعلية في ليبيا مرتبطة بالسلاح أكثر من المؤسسات الرسمية، وهو ما جعل الانتخابات والاستحقاقات الدستورية رهينة للتلاعب والتهديد، وجعل أي اتفاق سياسي عرضة للانكسار بمجرد تغير مصالح القوى الداخلية أو الخارجية.
أما التدخل الإقليمي والدولي، فقد زاد التعقيد بدل أن يحلّه. فالدعم السياسي والعسكري لكل طرف محلي أدى إلى خلق توازن هش يحمي المكاسب القائمة ويعطل أي حسم سياسي. تركيا وقطر في الغرب، ومصر والإمارات في الشرق، وروسيا والغرب في صراع نفوذ مستمر، كل ذلك جعل ليبيا ساحة لتقاطعات مصالح متعددة، أكثر من كونها مشروع دولة وطنية قابلة للبناء والإصلاح.
التحجيم الحقيقي لأي انفلات مستقبلي يتطلب إرادة سياسية للتنازل، ووضع ترتيبات أمنية تحد من قدرة السلاح على تعطيل المسار السياسي، وتحجيم المكاسب الاقتصادية والمؤسساتية الناتجة عن الانقسام. لكن المواطن الليبي هو الضحية الحقيقية، يعيش تداعيات الانقسام على حياته اليومية: انقطاع الكهرباء والمياه، انهيار الصحة والتعليم، ضعف البنية التحتية، وفقدان الثقة بالدولة، في ظل ازدواجية القرار وتضارب السياسات.
وفي هذا السياق، يبدو واضحًا أن أي مسار حقيقي للخروج من الأزمة الليبية لن يكون سهلاً ولا سريعًا، فالحل لا يمر عبر اجتماعات دبلوماسية أو بيانات دولية فقط، بل عبر تغيير جذري في موازين القوى على الأرض. هذا يتطلب إعادة دمج الدولة مع مؤسساتها المدنية والأمنية، واسترجاع دور القانون كضامن للحقوق، بعيدًا عن التهديدات المسلحة والابتزاز السياسي.
كما أن ليبيا تحتاج إلى توحيد الشرعية والمساءلة: أي سلطة مستقبلية يجب أن تُبنى على أساس شرعي واضح، وأن تكون قادرة على محاسبة الفاعلين الذين استغلوا الانقسام لمصالح شخصية، سواء داخل الدولة أو خارجها. من دون ذلك، ستظل كل الانتخابات مجرد مهزلة دستورية لا تغير شيئًا على الأرض، وستستمر الميليشيات في رسم حدود اللعبة السياسية.
الأمر الأكثر إلحاحًا هو أن المواطن الليبي يجب أن يعود إلى قلب العملية السياسية. فلا معنى لأي حوار أو انتخابات إذا استمر المواطن في فقدان أبسط حقوقه، وفي مواجهة الحياة اليومية كمعركة للبقاء على قيد الحد الأدنى من الخدمات. استعادة الثقة بين الدولة والمواطن هي حجر الزاوية لأي إصلاح ناجح، لأنها تُعيد المشروعية للقرار السياسي وتقلل من قدرة القوى المهيمنة على تعطيل المسار.
باختصار، ليبيا بحاجة إلى قراءة واقعية للأرض، تبدأ بتحديد قواعد اللعبة السياسية وإخضاع السلاح للدولة، قبل التفكير في أي انتخابات أو اتفاقات شاملة. دون ذلك، ستظل كل المبادرات معلقة، وسيستمر المواطن الليبي في دفع ثمن الانقسامات التي أنتجت دولة هشّة، عاجزة عن حماية حقوقه الأساسية. ليبيا ليست أزمة قابلة للحل بالخطابات والبيانات، بل تحتاج لإرادة سياسية شجاعة، قادرة على فرض واقع جديد على الأرض، وإعادة الدولة لمواطنيها قبل أن تضيع فرصتها إلى الأبد.
مقالات ذات صلة
السياسة بين الإنصاف والخصومة… حين يكتب التاريخ بعيدًا عن ضجيج المواقف
نتنياهو بين تآكل الهيبة وصعود البدائل… هل تدخل إسرائيل مرحلة ما بعد “الرجل الذي لا يُهزم”؟
الجواسيس في عصر البيانات… عندما تصبح المعلومة سلاحًا يفوق الصواريخ
تدبير مجلس الجديدة… بين السطحية الميدانية وغياب الرؤية التنموية الشاملة
وأُسْــدِل الْسِّتَــار عَن مُونْدِيَال Mondial 2026


Comments ( 0 )