كتاب جديد يفكك علاقة الزوايا المغربية بالاستعمار والحركة الوطنية زمن الحماية

المحور الصحفي // سكينة الفحل
يقدم المؤرخ المغربي مصطفى الريس قراءة تاريخية جديدة لعلاقة الزوايا والطرق الصوفية بسلطات الحماية الفرنسية والحركة الوطنية، من خلال مؤلفه الجديد المعنون “الزوايا المغربية في سياق الحماية: بين منطق المهادنة ورهانات البقاء”، الذي يسلط الضوء على واحد من أكثر الملفات تعقيدا وإثارة للجدل في تاريخ المغرب المعاصر.
ويحاول الكتاب تجاوز القراءات التقليدية التي حصرت مواقف الزوايا في ثنائية “المقاومة أو الخيانة”، عبر تفكيك السياقات السياسية والاجتماعية والتاريخية التي تحكمت في تموقع هذه المؤسسات الدينية خلال فترة الحماية، مبرزا أن مواقفها ارتبطت برهانات البقاء والحفاظ على النفوذ الروحي والاجتماعي في ظرفية استعمارية معقدة اختلت فيها موازين القوى.
ويؤكد المؤلف أن أهمية هذا العمل لا تكمن فقط في مادته التوثيقية، بل أيضا في جرأته المنهجية على مساءلة التصورات الراسخة داخل الكتابات الوطنية والكولونيالية، من خلال إعادة الاعتبار للزوايا باعتبارها فاعلا تاريخيا متعدد الأبعاد، وليس مجرد أداة في يد الاستعمار أو مؤسسة دينية تقليدية فقدت دورها.
كما يتناول الكتاب الكيفية التي تعاملت بها الإدارة الاستعمارية الفرنسية مع الزوايا والطرق الصوفية، موضحا أن الدراسات الإثنوغرافية والسوسيولوجية التي أنجزت خلال فترة الحماية لم تكن عملا علميا محايدا، بل كانت جزءا من آليات الضبط الاستعماري، عبر رسم خرائط النفوذ الروحي والقبلي وتحديد مراكز التأثير داخل المجتمع المغربي.
وفي المقابل، يبرز العمل أن الزوايا لم تكن كيانات منعزلة عن التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفها المغرب، بل لعبت أدوارا متعددة داخل المجالين الاجتماعي والسياسي، حيث تباينت مواقفها من الاستعمار تبعا لاختلاف المصالح والعلاقات مع القبائل والمخزن والسلطات الأجنبية.
ويفسر المؤرخ بعض مواقف “المهادنة” التي تبنتها بعض الزوايا باعتبارها شكلا من أشكال “الواقعية السياسية”، التي هدفت إلى حماية وجودها المؤسسي والحفاظ على امتيازاتها الرمزية والاقتصادية، في ظل هيمنة القوة العسكرية والإدارية الفرنسية.
كما يتتبع الكتاب أشكال الخطاب الصوفي خلال تلك المرحلة، مبرزا كيف لجأت بعض الزوايا إلى توظيف خطاب ديني يدعو إلى تجنب الفتنة والاقتتال، أو إعادة تأويل الحدث الاستعماري بمنطق قدري يبرر التكيف مع الواقع الجديد دون التفريط الكامل في الشرعية الروحية.
ومن جهة أخرى، يناقش المؤلف نظرة الحركة الوطنية إلى الزوايا والطرقية، موضحا أن النخب الوطنية ذات المرجعية السلفية الإصلاحية اعتبرت هذه المؤسسات عقبة أمام بناء وعي وطني حديث، وربطت بين ما وصفته بالممارسات “البدعية” وبين التخلف والخضوع للاستعمار.
كما يستعرض الكتاب أصداء الزوايا والطرق الصوفية في الصحافة الوطنية، إلى جانب قراءة في كتابات الفقيه المكي الناصري المتعلقة بـ”محاربة الطرقية”، مبرزا أن الصراع لم يكن سياسيا فقط، بل كان أيضا معركة حول الشرعية الدينية وحق تمثيل الإسلام وقيادة المجتمع خلال مرحلة التحرر الوطني.
ويتوقف المؤلف كذلك عند التحولات التي عرفتها العلاقة بين سلطات الحماية والزوايا خلال أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، حيث سعت الإدارة الاستعمارية إلى استثمار نفوذ بعض الزوايا وشيوخ الطرق الصوفية لمواجهة تصاعد المد الوطني والسلفي، عبر تشجيع المواسم الدينية وتوسيع حضور بعض الزوايا داخل المجال العام.
ويخلص الكتاب إلى أن الحقل الصوفي بالمغرب لم يكن كتلة موحدة، كما أن مواقف الفاعلين الوطنيين لم تكن ثابتة تجاه جميع الزوايا، بل إن المرحلة اتسمت بتشابك المصالح والمناورات والتكيفات المتغيرة، ما يجعل تاريخ الزوايا زمن الحماية أكثر تعقيدا من أي تصنيف جاهز أو حكم نهائي.
مقالات ذات صلة
معرض الفرس بالجديدة يخصص يوما علميا وثقافيا لمناقشة أحدث مستجدات عالم الخيل
مهرجان الجاز بالرباط يعود في دورة جديدة تجمع الإبداع الأوروبي والمغربي
وفاة الروائي الياباني كايغو هيغاشينو أحد أبرز أعلام الأدب البوليسي عن 68 عاماً
جمعية فرسان أكفاي تنظم مهرجان التبوريدة احتفاء بعيد العرش المجيد بإقليم مراكش
خمسة مبدعين مغاربة يتأهلون إلى القائمة النهائية لجائزة التصميم لمعهد العالم العربي بباريس


Comments ( 0 )