حرب لبنان تعمّق الانقسام السياسي وتكشف كلفة خطاب التخوين على الصحافة وحرية التعبير

المحور الصحفي //
لم يكن الاستقطاب السياسي والطائفي في لبنان غائباً عن المشهد العام يوماً، غير أن الحرب الأخيرة دفعته إلى مستويات غير مسبوقة، وسط انقسام حاد بين من اعتبر دخول “حزب الله” المواجهة خياراً ضرورياً، ومن حمّله مسؤولية التصعيد وما رافقه من خسائر بشرية ومادية ونزوح واسع.
ورغم وقف إطلاق النار الهش، فإن جذور الخلاف لم تتراجع، إذ ظلت ملفات حساسة مثل سلاح “حزب الله” وقرار الحرب والسلم حاضرة بقوة في السجال الداخلي، بينما جاء الاتفاق الإطاري الموقع بين لبنان وإسرائيل ليزيد من حدة الجدل ويعمّق الانقسام السياسي داخل البلاد.
ومع امتداد الحرب، انتقل هذا الانقسام إلى الفضاء الرقمي، حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة لتبادل الاتهامات وخطابات التخوين والتحريض، بين مؤيدي مختلف الأطراف، في ظل تصاعد نزع الشرعية عن الآراء المخالفة ووصمها بالعداء أو التواطؤ.
وفي هذا السياق، خلص تقرير صادر عن “الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات” (لادي) بشراكة مع منصة “صواب” لتدقيق المعلومات، إلى أن الفضاء الرقمي خلال الحرب ساهم في تعميق الانقسام، عبر تكريس سرديات تقوم على التخوين والتآمر وربط المواقف بالهويات الطائفية، إلى جانب نشر الخوف وتعزيز خطاب “نحن” مقابل “هم”، وهو ما أعاد إنتاج الاصطفافات السياسية داخل النقاش العام.
وسجل التقرير هيمنة أربع سرديات أساسية، تمثلت في التخوين وربط الأحداث بالمؤامرة، وإثارة الهواجس الوجودية، وتسييس الهوية الطائفية، إلى جانب السخرية ونزع الشرعية عن الخصوم، معتبراً أن خوارزميات المنصات الرقمية ساهمت في تضخيم هذا المحتوى لما يثيره من تفاعل وانفعال.
وامتد هذا المناخ إلى الصحافيين أيضاً، الذين وجدوا أنفسهم أمام ضغوط مزدوجة، مهنية وأمنية، إلى جانب حملات تخوين وتشكيك بسبب نقلهم شهادات نازحين أو تغطيات لا تنسجم مع الروايات السائدة لدى بعض الأطراف السياسية.
فقد روت صحافيات وصحافيون، في شهادات متطابقة، تعرضهم لهجمات على مواقع التواصل واتهامات بالعمالة أو الانحياز، إضافة إلى ضغوط ميدانية وصلت أحياناً إلى منع التصوير أو اشتراط موافقات غير رسمية داخل بعض المناطق، ما اعتبروه مساساً مباشراً بحرية العمل الصحافي.
وتشير الصحافية فاديا جمعة إلى أن أخطر ما في حملات التخوين ليس استهداف الصحافي فقط، بل خلق مناخ من الخوف لدى الشهود أنفسهم، إذ بات كثير من النازحين يفضلون عدم الكشف عن هوياتهم خوفاً من تبعات اجتماعية أو سياسية، وهو ما يحدّ من قدرة الإعلام على نقل الصورة الكاملة.
من جهتها، تحدثت مراسلة أخرى عن واقعة أثارت لديها صدمة إنسانية ومهنية، بعدما أدى نشر شهادة نازحة إلى تعرضها لاحقاً لضغوط انتهت بطردها من مركز إيواء، ما جعلها تعيد التفكير في مسؤولية نشر بعض القصص وتأثيرها المباشر على أصحابها.
كما واجه صحافيون آخرون قيوداً ميدانية مرتبطة بعمليات التغطية، سواء عبر طلب تنسيق مسبق مع جهات محلية أو منع التصوير في بعض المناطق، وهو ما دفع البعض إلى ممارسة رقابة ذاتية والابتعاد عن الملفات الحساسة.
وفي المقابل، ترى رئيسة اتحاد الصحافيين في لبنان أن هذه الانتهاكات ليست حالات معزولة، بل جزء من مناخ عام يشمل خطاب كراهية وضغوطاً رقمية وميدانية، يصل أحياناً إلى تهديدات مباشرة ونشر بيانات شخصية للصحافيين، محذرة من أن الإفلات من العقاب يعمّق الظاهرة ويهدد حرية الإعلام.
كما تشير إلى أن الصحافيين في لبنان واجهوا أيضاً استهدافات مباشرة خلال الحرب، أسفرت عن قتلى وجرحى وتدمير مقرات إعلامية، معتبرة أن غياب آليات محاسبة فعالة يعقد مسار العدالة ويضعف حماية الصحافيين في الميدان.
وفي قراءة موازية، يرى خبراء في الإعلام أن الإشكال لا يرتبط فقط بنقل الشهادات، بل بسياقها وطريقة تقديمها خلال الحرب، حيث تتحول المعلومات إلى جزء من الصراع نفسه، ما يستدعي موازنة دقيقة بين نقل الحقيقة وحماية الأشخاص المعنيين.
ويخلص التقرير إلى أن تداخل الحرب مع الفضاء الإعلامي والسياسي أنتج بيئة ضاغطة دفعت بعض الصحافيين إلى تقليص تغطياتهم أو الانسحاب من ملفات حساسة، في ظل خوف متصاعد من الاستهداف، وهو ما يطرح تحدياً مباشراً على حرية الصحافة وقدرتها على نقل واقع الحرب بكامل تعقيداته.
مقالات ذات صلة
عبدول السيد يدخل مجلس الشيوخ الأمريكي كأول مسلم منتخب.. من طبيب للصحة العامة إلى واجهة الصراع السياسي في ميشيغان
إسرائيل تعزز تحصينات السياج الحدودي مع غزة.. خمس مراحل لمواجهة المسيّرات وتفادي تكرار اختراق 7 أكتوبر
عامل إقليم الرحامنة يتفقد مشروع مركز طمر النفايات بالجعافرة بنسبة إنجاز بلغت 90%
مراكش الكبرى تستعد لإعادة رسم خريطة التنقل الحضري.. مخطط استراتيجي يستشرف احتياجات السنوات الـ15 المقبلة
زخات رعدية قوية وتساقطات ثلجية ورياح مرتقبة بعدد من مناطق المغرب


Comments ( 0 )