حين يتحول العمل الجمعوي إلى استرزاق… من خدمة الصالح العام إلى تجارة الشعارات

المحور الصحفي // اليزيد الفحل
وُلد العمل الجمعوي ليكون ضمير المجتمع، وصوت الفئات الهشة، وجسرًا بين الدولة والمواطنين. لكنه في السنوات الأخيرة، بدأ يفقد جزءًا من روحه، حين تحوّل لدى بعض الفاعلين من التطوع وخدمة الصالح العام إلى وسيلة للاسترزاق وبناء المصالح الشخصية. ظاهرة مقلقة تُفرغ الفعل الجمعوي من معناه، وتُسيء إلى آلاف المتطوعين الصادقين الذين ما زالوا يؤمنون برسالته النبيلة.
في الأصل، يقوم العمل الجمعوي على التضحية، التطوع، والاستقلالية الأخلاقية. غير أن الواقع كشف عن جمعيات موسمية، لا تنشط إلا حين تُفتح أبواب الدعم، وتختفي بمجرد إغلاقها. مشاريع تُصاغ بلغة إنسانية جذابة، لكن أهدافها الحقيقية لا تتجاوز الحصول على التمويلات، أو التقرب من دوائر النفوذ، أو استعمال الفقراء كواجهة للتسويق الذاتي.
الأخطر من ذلك أن هذا الانزلاق ساهم في تشويه صورة المجتمع المدني لدى الرأي العام، وأضعف الثقة في الجمعيات الجادة التي تشتغل في صمت. فحين تختلط المبادرات الصادقة بالممارسات الانتهازية، يصبح المواطن عاجزًا عن التمييز بين من يعمل بدافع القناعة، ومن يتحرك بمنطق الغنيمة.
هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل تغذيه ثغرات قانونية، وضعف آليات المراقبة، وغياب المحاسبة الصارمة. الدعم العمومي أحيانًا يُمنح دون تقييم حقيقي للأثر، ودون ربط التمويل بالنتائج، ما يفتح الباب أمام تحويل العمل الجمعوي إلى مهنة مربحة بدل كونه التزامًا أخلاقيًا.
لكن الإشكال لا يقتصر على التمويل فقط، بل يمتد إلى تسييس العمل الجمعوي، حيث تتحول بعض الجمعيات إلى أذرع انتخابية مقنّعة، تُستعمل لشراء الولاءات أو تلميع الصور، مما يفرغ الفعل المدني من استقلاليته، ويحوّله إلى أداة ضمن لعبة المصالح.
اليوم، أصبح من الضروري إعادة الاعتبار للعمل الجمعوي الحقيقي، عبر تشديد المراقبة، وربط الدعم بالشفافية والأثر الميداني، وتعزيز أخلاقيات التطوع. فالمجتمع المدني لا يمكن أن يكون فضاءً للربح السريع، بل ركيزة أساسية في بناء الثقة، وترسيخ قيم التضامن، ومرافقة السياسات العمومية.
الخطورة الحقيقية تكمن في أن هذا الانحراف لا يضر بالجمعيات فقط، بل يضعف المجتمع كله. فالفقراء والمستفيدون المحتاجون، الذين كانوا ينتظرون يد العون والدعم، يجدون أنفسهم في مواجهة وعود جوفاء ومشاريع بلا أثر. هذا ينتج إحباطًا عامًا، ويزرع شكًا في كل المبادرات المدنية، حتى تلك الصادقة والمخلصة.
المواجهة تتطلب جهدًا مزدوجًا: من جهة، تطوير إطار قانوني صارم للمحاسبة والشفافية، يضمن ربط التمويل بالنتائج الميدانية، ويجعل أي تجاوز أو استغلال مسؤولية شخصية وجماعية. ومن جهة أخرى، تعزيز وعي المجتمع وأهمية اختيار الجمعيات والمبادرات التي تثبت مصداقيتها، بدل الانجرار وراء شعارات براقة أو وجوه مألوفة.
كما يجب أن يكون الشباب، الذين يمثلون غالبية المتطوعين، عنصر تغيير حقيقي داخل الجمعيات، عبر تشجيع الثقافة النقدية، والشفافية، والالتزام بالقيم الأساسية للعمل الجمعوي. فبدون مشاركة واعية ومسؤولة من الفاعلين الحقيقيين، سيظل استرزاق العمل المدني مصدراً للإحباط والانقسام، بدل أن يكون أداة للتضامن والتنمية.
العمل الجمعوي، حين يكون صادقًا، يغيّر حياة الناس. وحين يتحول إلى استرزاق، يقتل الأمل ويهدم الثقة. وبين هذا وذاك، يبقى الرهان الحقيقي هو تنقية الفعل المدني من الانتهازية، وإعادته إلى جوهره: خدمة الإنسان، لا استغلاله.
مقالات ذات صلة
موسكو تعرقل وواشنطن تدفع نحو التغيير.. هل اقتربت نهاية زمن المناورات في قضية الصحراء المغربية؟
البرلمان المغربي.. حين يعلو الصراخ على صوت السياسة وتتحول الرقابة إلى استعراض فارغ
الصحراء المغربية.. من مكاسب التصويت إلى اختبار الحسم الدبلوماسي
سيدي يوسف بن علي.. أوراق موقعة على بياض وتنازلات بالجملة.. من يحرس سلامة العقود الإدارية؟
سيدي يوسف بن علي.. عمران يسبق المرافق ومنطقة تتسع على الورق فقط


Comments ( 0 )